بقلم: حمزة شافعي
من المعلوم أن فن “الراب” نشأ في سياق القمع والاضطهاد الذي يتعرض له الشباب الأمريكي الأسود، وذلك بهدف التعبير عن واقعهم البئيس من قمع وتهميش وعنصرية. لذلك يُعرف فن الراب بالنقد، وفي الكثير من الأحيان يكون نقدا لاذعاً، إذ يعبّر عن سخطه على الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يعيشها المجتمع.
والمعروف أن الراب لم يُولد في استوديوهات مكيّفة بل في الأحياء المنسية التي لا تملك منابر أخرى غير الكلمة على إيقاع صاخب. وحين وصل إلى المغرب لم يفقد جيناته الاحتجاجية، بل وجد في الفقر والبطالة وهشاشة العيش مادة خصبة ليقول ما لا يجرؤ الإعلام الرسمي على قوله.
هذا بالضبط ما يضع “الراب” المغربي اليوم في موقع الاتهام، فمنذ أيام وُضع “الرابور” المهدي اليوبي المعروف بـ”مهدي بلاك ويند”، رهن الحراسة النظرية ثم الحبس الاحتياطي بعد منعه من السفر، بتهمة “إهانة مؤسسة دستورية”، وهي تهمة قد تصل عقوبتها إلى سنتين سجناً. الفنان نفسه معروف بأغاني ناقدة لواقع البلاد الاجتماعي والسياسي، ولم يُحدَّد بدقة أي مؤسسة قصدها في كلماته، وكأن التهمة صيغت لتتسع لأي غضب فني يزعج جهة ما.
قبله بأشهر، حكمت المحكمة الابتدائية بتازة على الرابور صهيب قبلي، الملقب بـ”الحاصل”، بثمانية أشهر سجناً نافذاً على خلفية أغنية “لا للتطبيع” وتدوينات له، بتهمة مشابهة تقريباً هي “الإخلال بواجب التوقير لمؤسسة دستورية” وقد أكد محاموه أن الحكم لم يحدد أصلاً أي مؤسسة أُهينت، ثم جاءت محكمة الاستئناف لتؤيد العقوبة رغم وقفات احتجاجية طالبت بالإفراج عنه.
حين تتحول عبارة “مؤسسة دستورية” إلى قالب مطاطي يُفصَّل حسب الحاجة، لا نكون أمام قضايا جنائية بالمعنى الحقيقي، بل أمام معاقبة للفكرة والكلمة، لا للفعل. وهذا النمط لا يخص الفنانين وحدهم؛ فصحافيون ومدونون وناشطون بل وحتى رسامون يجدون أنفسهم أيضاً أمام التهم ذاتها الفضفاضة كلما ارتفع صوتهم بالنقد.
لدرجة اعتقال رسام غرافيتي شاب لا يتجاوز عمره 22 سنة بسبب رسوماته، تخيلوا أن شابا من قسوة الواقع ويعبر عن مشاعره من خلال الرسم، فيعتقل بسبب رسوماته، فبعد اعتقال الصحفيين ومغني الراب والمدونين والنشطاء جاء الدور على الرسامين. وهنا يطرح السؤال الجوهري: إلى أين المفر؟
في المقابل عبرت منظمات حقوقية دولية عن قلقها من هذا التصاعد، ويكفي أن يُقال إن “بلاك ويند” هو رابع مغني راب يُلاحق خلال عام واحد لندرك أننا لسنا أمام حالات معزولة بل أمام نمط متكرر يضيق شيئاً فشيئاً.
والمفارقة أن المغرب يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى أصوات ناقدة تكشف الاختلالات وتُغني النقاش العام، لا إلى صمت مفروض باسم “احترام المؤسسات”، فاحترام المؤسسات لا يُبنى بإسكات من ينتقدها، بل بجعلها قادرة على تحمّل النقد والرد عليه. والراب في جوهره لم يكن يوماً فناً مؤدباً يرضي الجميع، بل صوت المهمّشين ولسان من لا منبر له.
حين يُحاكَم رابور على كلمة في أغنية، فإن الرسالة الموجهة إلى كل شاب يفكر في حمل مايكروفون واضحة: الصمت أكثر أماناً من الكلام. وهذه أخطر رسالة يمكن أن يبعث بها مجتمع يطمح إلى الانفتاح والحرية.
