بقلم: آدم روبي
تخيل أنك تستيقظ صباحاً على خبر تهديد رئيس منتخب في أمريكا اللاتينية بالملاحقة والعقوبات والحصار، تحت ذرائع قانونية عابرة للحدود. تتناول غداءك على وقع مشاهد القصف في الخرطوم، حيث تتحول أحياء سكنية بكاملها إلى أنقاض في حرب تتداخل فيها الحسابات المحلية بالصراعات الإقليمية والدولية على الذهب والنفوذ. في المساء، تتصفح جوالك فتجد المستشار الألماني يعقد صفقات بمليارات اليوروهات في بكين، بينما تتصاعد تهديدات واشنطن بفرض ضرائب وعقوبات جديدة على الصين. وقبل أن تنام، تقرأ عن فضائح مالية وجنسية تكشف شبكات نخبوية عابرة للقارات، تتاجر بكل شيء وتفلت مراراً من المحاسبة.
العالم في 2026 يبدو وكأنه فوضى عارمة. تناقضات لا تُحصى: ضغوط إمبريالية تخنق دولاً متمردة، حروب بالوكالة في إفريقيا، تحالفات اقتصادية تتشكل وتنهار، وفضائح تهز صورة النخب العالمية. في هذا الزحام، يقف الشاب، المواطن العادي، ويسأل نفسه: من أين أبدأ؟ كيف أفهم ما يحدث؟ وكيف أحدد موقفي؟
ما يحدث ليس عشوائياً. حين تُستخدم العقوبات والحصار لتطويع بلدان بأكملها، فالأمر يتعلق بالسيطرة على الموارد والأسواق وموازين القوة. الحرب في السودان ليست مجرد “اقتتال داخلي”، بل ساحة تتقاطع فيها مصالح رأسمال عابر للحدود مع نخب عسكرية محلية، فيما يدفع الشعب الثمن دماً وجوعاً. الصراع بين القوى الكبرى لا يلغي وحدتها حين يتعلق الأمر بحماية النظام الاقتصادي العالمي نفسه، بل يعكس تنافساً داخل المعسكر المهيمن على إعادة توزيع النفوذ داخله.
الخيط الذي يربط كل هذا هو أن النظام الرأسمالي العالمي يعيش أزمة عميقة. في لحظات الأزمات، لا يتردد في استخدام كل الأدوات: الاقتصاد، القانون، الإعلام، وحتى الفوضى المنظمة، من أجل إعادة ترتيب موازين الربح والخسارة. في النهاية، ليست الأزمة أزمة أفكار مجردة، بل أزمة توزيع ثروة وسلطة بين أقلية مستفيدة وأغلبية تتحمل الكلفة.
في خضم هذا المشهد، تظهر أدوات جديدة للتضليل. وجوه إعلامية لامعة، يتابعها الملايين، تظهر في منصات وبرامج تدعم منظمات غير حكومية بتمويلات غامضة، لتتحول قضايا معقدة إلى عناوين جذابة ومحتوى سريع الاستهلاك. لا يتعلق الأمر هنا بالتشكيك في كل عمل مدني، بل بالتنبيه إلى وجود شبكات تمويل تسعى إلى توجيه الوعي العام بعيداً عن جوهر الصراع الاجتماعي والاقتصادي.
وفي شهر رمضان، حيث تتجه الأنظار إلى القيم الروحية والتأمل، يفاجئ الناس سيل من الجدالات الهوياتية على وسائل التواصل، وكأن السؤال المركزي هو صراع رمزي معزول عن شروط العيش اليومية. الدفاع عن حرية المعتقد وحرية التعبير حق ديمقراطي مبدئي لا نقاش فيه، لكن تحويله إلى معركة موسمية منفصلة عن قضايا الفقر والبطالة والفساد يخدم أحياناً إزاحة الأولويات بدل تعميقها.
هنا تبرز ظاهرة أكثر خطورة: صعود ما يمكن تسميته بـ”المثقف اليساري الرقمي”. لم يعد بعض من يُحسبون على اليسار يشتغلون على بناء أدوات وعي وتنظيم، بل انخرطوا في سباق يومي على الظهور الإعلامي، وعدّاد المشاهدات، ومداخيل الإعلانات. الجرائد الإلكترونية تتحول إلى مصانع لإعادة تدوير الأخبار بهدف جمع دراهم الإشهار، وقنوات اليوتوب تبني جمهورها على الإثارة السريعة لا على التحليل المتماسك، وصفحات إنستغرام تختزل قضايا معقدة في دقائق تُسوق كمنتج قابل للاستهلاك.
يتحول الخبر إلى سلعة، ويتحول الخطاب النقدي إلى محتوى. لا يعود الهدف تفكيك البنية الاقتصادية أو كشف آليات الهيمنة، بل الحفاظ على الحضور الرقمي وضمان تدفق المتابعين. وهنا يصبح “الترند” بوصلة، ويغدو الصمت عن القضايا الثقيلة أو المعقدة خياراً تجارياً لا سياسياً، لأن التحليل العميق لا يدرّ أرباحاً سريعة.
هذا التحول يعيد إنتاج ما أشار إليه سعيد شرابي في مقدمات لدراسة المجتمع العربي حين تحدث عن انتهازية بعض المثقفين العرب: القدرة على التكيف مع ميزان القوة بدل مواجهته، وعلى تبرير التناقض بدل حسمه. شرابي وصف آلية التمويه الذاتي التي تسمح للمثقف بأن يعيش تناقضه دون ألم أو قلق، عبر خطاب لفظي يعوض غياب الفعل. اليوم، تتخذ هذه الانتهازية شكلاً رقمياً: رأسمال رمزي يُحوَّل إلى رأسمال إعلاني، ومواقف تُضبط على إيقاع السوق الإعلامي.
الأخطر أن بعض هؤلاء يبرر هذا الخيار باعتباره “استقلالاً مالياً” أو “بديلاً عن الارتهان”، بينما هو في الواقع ارتهان جديد لقوانين المنصة والخوارزمية والمعلن. بدل البحث عن موقع مهني أو اجتماعي يضمن استقلالية نسبية، يُبنى الدخل على الإثارة والاستقطاب، وعلى تضخيم الأحداث لا تحليلها. وهكذا يتحول المثقف من فاعل يسعى إلى تغيير الواقع، إلى وسيط يقتات على اضطرابه.
ليست المشكلة في أن يعيش المثقف من عمله، فذلك حق طبيعي. المشكلة حين يصبح السوق هو الذي يحدد سقف الخطاب، وحين يتحول اليسار إلى علامة تجارية، والنقد إلى أداء مسرحي متكرر، والانشغال بالقضايا الاجتماعية إلى مادة موسمية تُستدعى حين ترتفع نسب التفاعل. بهذا المعنى، لا يعود التضليل حكراً على الإعلام المأجور التقليدي، بل يجد امتداداً له في فضاء رقمي يُعيد إنتاج المنطق نفسه بلغة معارضة.
وإذا كان هذا هو المشهد العالمي والرقمي، فإن تجلياته المحلية تظهر بوضوح في المغرب. تمر تعديلات قانونية تحد من قدرة المجتمع المدني على التبليغ عن الفساد، ويتعثر تفعيل قوانين تتعلق بالحق في الحصول على المعلومة وحماية المبلغين. هذه ليست تفاصيل تقنية، بل قرارات تمس توزيع السلطة والثروة داخل المجتمع.
ما علاقة كل هذا بحياة الناس؟ علاقة مباشرة. ارتفاع الأسعار يرتبط باختلالات سلاسل الإمداد العالمية والصراعات الدولية. ضعف الشفافية ينعكس على جودة الخدمات وفرص الشغل. القوانين التي تمر بهدوء تؤثر على قدرة المواطنين على المساءلة. بينما ينشغل الفضاء الرقمي بمعارك جانبية، تُحسم قضايا جوهرية في غرف مغلقة.
المواطن العادي ليس مطالباً بأن يكون خبيراً في الجغرافيا السياسية، لكنه قادر على طرح أسئلة بسيطة: من المستفيد من انشغالي بهذا الجدل؟ ما القضية التي تُدفن تحته؟ من يمول هذا الخطاب؟ ولماذا الآن بالذات؟
العزلة تنتج اليأس، والجماعة تصنع الأمل. في النقاشات مع الأصدقاء، في الأحياء، في الجامعات وأماكن العمل، حين يتحول الاهتمام بالشأن العام إلى فعل منظم ومسؤول، يبدأ الوعي الجماعي في التشكل. الوعي وحده لا يكفي إن لم يتحول إلى تنظيم: إعادة إحياء الفضاءات النقابية والطلابية، بناء دوائر قراءة ونقاش، واستعادة السياسة من منطق الاستهلاك الرقمي إلى منطق الفعل الجماعي.
لا أحد سيبني هذا الوعي نيابة عنا، ولا منصة رقمية ستقوم مقام التنظيم. العالم يعيش تناقضات عنيفة، لكن التناقض ليس فقط علامة أزمة، بل أيضاً مصدر حركة. السؤال ليس هل هناك فوضى، بل كيف نتموضع داخلها: هل نكون مجرد مستهلكين للقلق اليومي، أم نحول هذا القلق إلى وعي منظم وفعل جماعي؟
تحية إلى كل من ينهض كل صباح رغم ثقل العالم، لا ليستهلك الأخبار فقط، بل ليفهمها ويربطها بواقعه، ويسأل ويشارك وينظم. هناك، تحديداً، تبدأ الطريق.
69
المقالة السابقة
