الرئيسية » جدلية التنظيم النقابي والسياسي في الصراع الطبقي

جدلية التنظيم النقابي والسياسي في الصراع الطبقي

إن هذه العلاقة بين الحزب والنقابة ليست علاقة هيمنة، بل هي علاقة تحرير للممارسة النقابية من أدوارها الضيقة، وتحرير للوعي العمالي من قيود الإصلاح، ليصبح جزءاً من مشروع تاريخي يتجاوز النظام الرأسمالي نفسه.

كتبه User H

بقلم: طه الفرحاوي

أصبحت النقابة اليوم واحدة من أكثر ساحات الصراع الطبقي عرضة للتشويه والتدجين، رغم أنها كانت تاريخياً الفضاء الأرحب الذي يختبر فيه العمال قواهم الجماعية لأول مرة، ويتعلمون عبرها طبيعة النظام الذي يواجهونه. ومع تطور الرأسمالية وتغولها، باتت النقابة ميداناً لا يمكن فصله عن السياسة، مهما حاولت البرجوازية حصرها في إطار المطالب المهنية أو التفاوض الخبزي؛ فبمجرد أن يرفع العمال أصواتهم ضد شروط العمل، أو يعلنوا إضراباً، أو يطالبوا بحد أدنى من الكرامة في مواقع الإنتاج، تجد الدولة نفسها معنية، وتُستحضر القوانين، ويُفعل القمع، ويُستنفر الإعلام بوصفه أحد الأجهزة الأيديولوجية للدولة، وهذا وحده يكشف أن النقابة ليست جهازاً تقنياً، بل إحدى الواجهات السياسية لممارسة الصراع العام بين الطبقتين.

إن هذا الإدراك لم يأتِ من فراغ، بل لأن الماركسيين فهموا منذ البداية أن الرأسمالية ليست نظاماً اقتصادياً فحسب، بل هي بنية سلطة متكاملة، وأن أي محاولة لتغيير موقع العامل داخل هذه البنية لا بد أن تصطدم بجهاز الدولة ومؤسساتها، وبالتالي فإن النقابة، بصفتها أداة دفاع عن مصالح العمال، تصبح بالضرورة في مواجهة مع سلطة بُنيت أصلاً لحماية مصالح الأقلية الرأسمالية. وهنا يظهر الوجه الحقيقي للصراع؛ فحين يطالب العمال بحصة أكبر من القيمة التي ينتجونها، فهم يهددون استقرار النظام الرأسمالي نفسه، لأن رأس المال لا يعيش إلا على اقتطاع فائض القيمة من جهد العامل، ولهذا السبب تتحول النقابة، حتى لو لم تعلن ذلك صراحة، إلى كيان يكشف حدود النظام وإمكانات مواجهته.

لكن النقابة على أهميتها ليست قادرة على ملء الفراغ السياسي الذي يولده هذا الصراع، وهنا تحديداً برز نقد لينين الحاد للنزعة الاقتصادوية التي كانت تريد للنقابات أن تصبح الشكل الأرقى لتنظيم العمال، مكتفية بالنضال الاقتصادي دون السياسي، إذ رأى لينين أن هذه النظرة ليست مجرد سذاجة، بل هي إعادة إنتاج غير واعٍ لمنطق الليبرالية البرجوازية الذي يسعى لإبقاء العمال في إطار تحسين شروط الاستغلال دون الاقتراب من جذوره. فالنقابة بنظر لينين هي مدرسة للصراع الطبقي، لكنها ليست القيادة التي تخطط وتوجه؛ فالعامل قد يكتسب عبرها الشجاعة والتجربة التنظيمية، لكن وعيه دون تدخل ثوري يبقى أسيراً لتصور إصلاحي يقتصر على رفع الأجر أو تخفيض ساعات العمل، وهذا مهما بلغ من نجاح، لا يسقط العلاقة الرأسمالية بل يعدل بعض ملامحها فقط.

إن الطبقة العاملة حين تشتبك وحدها وفي حدود العمل النقابي، تصل إلى سقف لا يمكن تجاوزه، وحتى الإضرابات الكبرى تبقى معرضة للاحتواء أو الإنهاء بالقوة أو إنهاك الشغيلة، لذلك لم يرَ لينين في النقابة بديلاً عن الحزب، بل جسراً يقود إليه، فالحزب الثوري هو الكيان الوحيد القادر على تحويل الغضب العفوي إلى مشروع سياسي واعٍ، وجمع النضالات المشتتة ضمن رؤية موحدة تقود نحو التغيير الجذري. إنه الأداة السياسية للطبقة العاملة ليس لأنه يتحدث باسمها فقط، بل لأنه ينظمها ويرفع وعيها ويمنحها القدرة على مواجهة الدولة البرجوازية باعتبارها جهازاً سياسياً، لا مجرد حَكم بين جهتين متساويتين.

ومن دون هذا الحزب، تصبح النقابة محاصرة بين خيارين؛ إما الاستيعاب داخل النظام الرأسمالي لتتحول إلى وسيط بيروقراطي بين العمال ورأس المال، أو البقاء في حالة نضال دائم بلا أفق، تُسحق فيه الانتصارات الصغيرة كلما اشتدت الأزمة الاقتصادية، أما حين يتجذر الوعي الثوري داخل النقابة، ويصبح الحزب جزءاً عضوياً من عمليات التثقيف والتنظيم، يتغير المشهد كلياً، حيث يتحول الإضراب من مناورة اقتصادية إلى فعل سياسي، ويتحول الصراع على الأجر إلى صراع على السلطة. إن هذه العلاقة بين الحزب والنقابة ليست علاقة هيمنة، بل هي علاقة تحرير للممارسة النقابية من أدوارها الضيقة، وتحرير للوعي العمالي من قيود الإصلاح، ليصبح جزءاً من مشروع تاريخي يتجاوز النظام الرأسمالي نفسه.

لقد ثبت في تجارب الحركة العمالية الثورية عبر التاريخ أن النقابة حين تترك وحدها تفقد قدرتها على المواجهة، وحين تتصل بالحزب تتحول إلى قوة لا يمكن تجاهلها، لذا فإن القول بأن النقابة إحدى واجهات الصراع السياسي هو وصف دقيق لطبيعة المعركة في قلب النظام الرأسمالي، لكن هذه الواجهة لا تكفي وحدها لقيادة الطبقة العاملة نحو تحررها التاريخي، يبقى البناء الواعي للحزب الثوري هو الشرط الذي يمنح النقابة معناها السياسي الحقيقي، ويحمل النضال العمالي من دائرة الدفاع إلى دائرة الهجوم، فبدون الحزب تبقى النقابة جسداً يناضل بلا رأس، وبدون النقابة يصبح الحزب جسداً ينظر بلا جذور، أما تكاملهما فيفتح الطريق فعلياً نحو عالم لا تقوم فيه حياة الإنسان على بيع قوته مقابل بقائه، بل على تحرره من كل أشكال الاستغلال.

قد تعجبك أيضاً