في كل محطة انتخابية، يتجدد الخطاب الرسمي نفسه: دعوات إلى المشاركة، ووعود بالإصلاح، وأحاديث عن ترسيخ الديمقراطية. لكن السؤال الذي يظل مؤجلًا عمدًا هو: من يحكم فعلًا؟ ومن يمتلك السلطة الحقيقية لتحديد الخيارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي ترسم حاضر المغاربة ومستقبلهم؟
إن جوهر الصراع السياسي لا يكمن في عدد المقاعد التي توزعها صناديق الاقتراع، بل في طبيعة السلطة نفسها، وفي الطبقات التي تخدمها، وفي مراكز القرار التي تحدد اتجاه الدولة وسياساتها. ولهذا، فإن اختزال الديمقراطية في الانتخابات ليس سوى آلية من الآليات التي تعيد إنتاج الهيمنة، وتحول المشاركة الشعبية إلى مجرد طقس دوري يمنح الشرعية لنظام لا يخضع فيه القرار السياسي لإرادة الجماهير.
لقد أثبتت التجربة المغربية، لعقود طويلة، أن تعاقب الحكومات والأغلبيات الحزبية لم يؤد إلى تغيير جوهري في السياسات العمومية التي تمس حياة الناس اليومية. فلا التعليم العمومي استعاد مكانته، ولا الصحة أصبحت حقًا مضمونًا، ولا البطالة والتهميش والفوارق الاجتماعية تراجعت، لأن منطق السياسات ظل ثابتًا، بينما تغيرت فقط الوجوه التي تديرها.
ذلك أن المؤسسات المنتخبة، رغم ما تمنحه لها النصوص القانونية من اختصاصات، فهي لا تمتلك السلطة الفعلية التي تخول لها تقرير الاختيارات الاستراتيجية للدولة. أما القرار الحقيقي، فيظل متمركزًا داخل بنية سلطوية لا تستمد مشروعيتها من الاقتراع الشعبي، ولا تخضع للمحاسبة الديمقراطية. وهكذا تتحول الانتخابات إلى آلية لإعادة إنتاج الشرعية أكثر مما تكون وسيلة لتداول السلطة.
إن أخطر ما تنتجه هذه البنية ليس فقط إفراغ الانتخابات من مضمونها الديمقراطي، بل أيضًا تحويل غضب الجماهير نحو المؤسسات المنتخبة، بينما تبقى مراكز القرار الفعلية بمنأى عن كل مساءلة شعبية. إنها إحدى آليات الهيمنة التي تجعل الأزمة تبدو وكأنها أزمة حكومات، بينما تكمن جذورها في طبيعة النظام السياسي نفسه.
ومن هنا، فإن اختلال ميزان القوى لا يرجع إلى ضعف هذا الحزب أو ذاك، بل إلى بنية سياسية تجعل التنافس الانتخابي يدور داخل حدود مرسومة سلفًا، دون أن يطال جوهر السلطة أو طبيعة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية. ولذلك، فإن تغيير الوجوه لا يعني بالضرورة تغيير السياسات، كما أن تداول المناصب لا يعني انتقال السلطة.
إن المقاطعة، في هذا السياق، ليست عزوفًا عن السياسة، وليست انسحابًا من معركة التغيير، بل هي موقف سياسي يرفض تحويل الإرادة الشعبية إلى أداة لتجديد شرعية واقع قائم. إنها تعبير عن وعي بأن الديمقراطية ليست صندوق اقتراع معزول عن موازين القوى، بل هي نتاج صراع اجتماعي طويل تخوضه الجماهير المنظمة دفاعًا عن مصالحها وحقوقها.
لقد علمتنا التجربة التاريخية أن الحقوق الاجتماعية والديمقراطية لم تكن يومًا منحة من فوق، بل ثمرة نضالات العمال والكادحين والشباب والنساء، وانتزعت عبر الإضرابات والاحتجاجات والتنظيم الجماهيري المستقل. كما علمتنا أن كثيرًا من القوى التي راهنت على إصلاح البنية السلطوية من داخل المؤسسات انتهت إلى التكيف معها، بعدما وجدت نفسها أسيرة قواعد لعبة لم تضعها الجماهير، بل وضعتها السلطة لضمان استمرارها.
أما الشباب المغربي، الذي يُتهم اليوم بالعزوف، فقد أثبت في كل المحطات التاريخية أنه أكثر الفئات حضورًا في ساحات النضال. فمن حركة 20 فبراير إلى الريف وجرادة، ومن معارك الطلبة إلى احتجاجات الأساتذة والمعطلين، وصولا إلى نضالات جيل زيد، ظل الشباب في قلب المواجهة دفاعًا عن الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
المشكلة، إذن، ليست في غياب الوعي السياسي، بل في اتساع الهوة بين مجتمع يطالب بحقوقه، ومؤسسات عاجزة عن الاستجابة لها. وما يتسع اليوم ليس دائرة اللامبالاة، بل دائرة فقدان الثقة في نموذج سياسي لم يعد قادرًا على إقناع الأجيال الجديدة بأن التغيير يمكن أن يتحقق عبر الآليات نفسها التي كرست الأزمة.
إن الشباب ليس كتلة متجانسة، لأنه ينتمي إلى طبقات اجتماعية متباينة، لكن ما يوحد قطاعات واسعة منه هو الإحساس المشترك بالهشاشة، والبطالة، وغلاء المعيشة، وانسداد الأفق، واتساع الفوارق الاجتماعية. وهي تناقضات ليست عرضية، بل هي نتائج مباشرة لنمط اقتصادي يعيد إنتاج التبعية والاستغلال، ويضع الربح فوق الإنسان.
ومن هنا، فإن النضال الديمقراطي لا ينفصل عن النضال الاجتماعي، لأن الحرية السياسية تفقد معناها حين تقترن بالفقر، كما أن العدالة الاجتماعية تبقى مستحيلة في ظل احتكار السلطة والثروة معًا. ولذلك فإن معركة الديمقراطية هي، في جوهرها، معركة ضد كل أشكال الاستغلال والهيمنة، ومن أجل سيادة الشعب على قراره وثرواته.
إن النهج الديمقراطي العمالي ينطلق من هذا الفهم، ولذلك فإن موقفه من الانتخابات ليس موقفًا عقائديًا ثابتًا، بل موقف سياسي يرتبط بمدى قدرة أي شكل من أشكال النضال على رفع وعي الجماهير وتنظيمها وخدمة مصالحها التاريخية. فالمشاركة ليست قيمة في ذاتها، كما أن المقاطعة ليست غاية في ذاتها؛ إنما القيمة الحقيقية لأي تكتيك سياسي تقاس بمدى إسهامه في بناء ميزان قوى جديد لصالح الطبقات الشعبية.
إن الديمقراطية التي ننشدها ليست مجرد إصلاحات شكلية داخل البنية القائمة، بل انتقال ديمقراطي حقيقي يؤسس لدستور يضعه الشعب بإرادته الحرة، ويكرس السيادة الشعبية، والفصل الحقيقي بين السلط، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ويفتح الطريق أمام مجتمع تتحرر فيه السياسة من منطق الامتيازات، ويتحرر فيه الاقتصاد من هيمنة أقلية تحتكر السلطة والثروة.
لكن أي حديث عن الديمقراطية يظل فاقدًا للمصداقية ما دامت الحريات السياسية تعرف التضييق، وما دامت قوى المعارضة الديمقراطية تواجه العراقيل في التنظيم والعمل، وما دام الحق في الاختلاف يخضع لمنطق المنع والإقصاء بدل منطق التعددية.
إن معركة التغيير لا تبدأ يوم الاقتراع، بل تبدأ يوم تدرك الجماهير أن تحررها لن تصنعه النخب المعزولة ولا المؤسسات المقيدة، وإنما تصنعه قوتها المنظمة، ووحدتها، ووعيها بمصالحها التاريخية. فالتاريخ لا تكتبه صناديق الاقتراع وحدها، بل يكتبه الشعب عندما يتحول من موضوع للسياسة إلى صانع لها.
هذه هي المهمة التاريخية لجيل الشباب اليوم: أن ينتقل من موقع المتفرج إلى موقع الفاعل، ومن الاحتجاج المتفرق إلى التنظيم الواعي، ومن الغضب إلى بناء ميزان قوى شعبي قادر على فرض الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والسيادة الشعبية، باعتبارها حقوقًا تُنتزع بالنضال، لا امتيازات تُمنح بإرادة السلطة.
