بقلم: حمزة شافعي
لطالما ساد اعتقاد كلاسيكي بأن علم الاجتماع هو ذلك “المختبر الموضوعي” الذي يدرس الظواهر المجتمعية بعين التجرد، إلا أن القراءة المتأنية لتاريخ هذا العلم وتطوره تكشف عن علاقة شائكة ومعقدة مع “السياسة”، علاقة تراوحت بين التكامل المعرفي وبين التوظيف الأدواتي الذي يحول عالم الاجتماع من باحث عن الحقيقة إلى “مهندس تقني” لخدمة السلطة والنخبة.
إن جدلية العلاقة بين السوسيولوجيا والسياسة تضعنا أمام إشكالية أخلاقية ومنهجية كبرى، ففي حين يُفترض بعلم الاجتماع أن يكون “ضمير المجتمع” الذي يكشف آليات الهيمنة ويحلل البنى التحتية للصراعات والتناقضات الاجتماعية والسياسية، نجد أن الدولة، بما تمتلكه من أدوات الضبط والسيطرة، سعت تاريخياً لاستمالة هذا العلم وتحويله إلى “عقل للدولة”. هنا، لا يصبح الهدف هو فهم المجتمع من أجل تطويره، بل فهمه من أجل إحكام السيطرة عليه، والتنبؤ بحركاته لضمان استقرار النخبة السياسية الحاكمة.
لقد برز هذا التوظيف بشكل جلي في لجوء الأنظمة السياسية إلى علماء الاجتماع لتصميم سياسات عامة تهدف في ظاهرها إلى التنمية، وفي باطنها إلى امتصاص الاحتقان الشعبي أو شرعنة قرارات فوقية بصبغة “علمية”. وفي هذا السياق، تتحول العلوم الاجتماعية إلى “تكنولوجيا اجتماعية” تُستخدم لترويض الجماهير وصناعة الرأي العام، بدلاً من أن تكون أداة للتحرر المعرفي. إن النخبة السياسية، بذكائها البراغماتي، تدرك أن السيطرة الخشنة لم تعد كافية في العصر الحديث، مما يستوجب استبدالها بـ “سيطرة ناعمة” تستند إلى دراسات ميدانية وإحصائيات سوسيولوجية تحدد مكامن الضعف في الجسد الاجتماعي وكيفية احتوائها.
ولا يمكن قراءة هذه الجدلية في المغرب بمعزل عن مسارها التاريخي؛ فقد ولد علم الاجتماع في التربة المغربية كـ “سوسيولوجيا كولونيالية” استعمارية، كانت وظيفتها الأساسية هي تفكيك بنى القبائل والزوايا لتسهيل الاختراق السياسي والعسكري. ومع بزوغ فجر الاستقلال، حاول جيل الرواد تحرير هذا العلم ليكون أداة لبناء الدولة الوطنية ونقد التخلف، إلا أن “المخزن” بذكائه التاريخي سرعان ما أدرك خطورة النقد السوسيولوجي، فعمل على تدجينه تارة عبر التضييق (كما حدث في إغلاق معهد السوسيولوجيا بالرباط سنة 1970)، وتارة أخرى عبر “الاستيعاب”. واليوم، يتجلى هذا التوظيف في تحول جزء كبير من البحث السوسيولوجي المغربي إلى “سوسيولوجيا مكاتب الدراسات”، حيث يُستدعى علماء الاجتماع كخبراء لتقديم حلول تقنية لأزمات بنيوية (كالاحتجاجات الاجتماعية أو قضايا الفقر)، مما يحولهم إلى “رجال إطفاء” يشتغلون ضمن أجندات المؤسسات الرسمية والنخبة التكنوقراطية.
هذا المسار يمثل اغتراباً حقيقياً للوظيفة الجوهرية لعلم الاجتماع. فالعلم الذي أسسه رواد مثل دوركايم وفيبير وبورديو ليكون أداة للنقد والمساءلة، يجد نفسه أحياناً في موقف “المبرر” للوضع القائم. إن إقحام السوسيولوجيا في خدمة الأجندات السياسية الضيقة يؤدي بالضرورة إلى إفراغ العلم من محتواه النقدي، حيث يصبح الباحث مقيداً بحدود التمويل الرسمي أو بالخطوط الحمراء التي تضعها السلطة، مما ينتج معرفة “مشوهة” تخدم الاستقرار الصوري على حساب الحقيقة الاجتماعية.
إن إنقاذ علم الاجتماع، سواء في سياقه العالمي أو المغربي، يبدأ من استعادة الاستقلالية المعرفية. فلا يمكن لهذا العلم أن يؤدي دوره التاريخي إلا إذا ظل على مسافة نقدية من مراكز القوة. إن دور عالم الاجتماع ليس أن يكون مستشاراً تقنياً لدى السلطة، بل أن يكون مترجماً لآلام المجتمع وتطلعاته. إن تغول السياسي على السوسيولوجي يهدد بتحويل العلم إلى مجرد “جهاز إيديولوجي” إضافي للدولة، بينما تظل وظيفته الحقيقية هي أن يكون مرآة صادقة تعكس عيوب البناء الاجتماعي لتصحيحها، لا قناعاً أكاديمياً يجمّل وجه النخبة.
