الرئيسية » هل تعمّق اعتقالات “جيل زيد” عزوف الشباب عن الانتخابات المقبلة؟

هل تعمّق اعتقالات “جيل زيد” عزوف الشباب عن الانتخابات المقبلة؟

جيل "زد" لا يقاطع كرهاً في الوطن، بل رغبة في وطن يتسع لأحلامه الكبيرة...

كتبه User H

بقلم: حمزة شافعي

يعرف المشهد السياسي في كل موسم انتخابي بروز الأشباح السياسية التي تغيب علينا في الواقع كل خمس سنوات، لتظهر من جديد من أجل الحملة الانتخابية والتقيأ علينا بالخطابات الركيكة والوعود الكاذبة، التي استهلكت وأصبحت غير مرغوب فيها في أذن المواطنين والمواطنات. هذه الكائنات هي السبب الآن في الأزمة التي يعشها الشعب المغربي من غلاء للأسعار وبطالة وهشاشة وفقر وبؤس اجتماعي وسياسي، هذه الكائنات الغريبة هي السبب في التضييق على حرية التعبير والرأي والاعتقالات التي تطال العديد من الناشطين والمدونين والصحفيين ومعتقلي الرأي.

هؤلاء هم السبب في تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي أخرجت شباب “جيل زيد” من أجل مطالب اجتماعية صرفه من تعليم وصحة وشغل قار، لكن الإجابة كانت القمع والاعتقالات، لا لشيء سوى تعبير هؤلاء عن رأيهم والاحتجاج السلمي.

وبالتالي، تضع الاستحقاقات الانتخابية المقبلة المنظومة السياسية أمام اختبار سياسي يتجاوز مجرد تجديد النخب أو تدوير الوجوه، بل ليمس جوهر العقد الاجتماعي الرابط بين الدولة والجيل الجديد.

هذا المشهد يضعنا أمام سؤال راهني في الفضاء العام: هل الأحداث التي حدثت في حراك “جيل زيد” سترخي بضلالها على الانتخابات المقبلة؟ وهل ستعمق اعتقالات جيل زيد من عزوف الشباب من المشاركة في الانتخابات؟

سيكولوجية “جيل زيد” وصدمة الاعتقال

هناك وهم شائع في بعض الدوائر التقليدية يصور الشباب المغربي ككتلة خاملة، غير مبالية بالشأن العام. بينما الواقع يثبت العكس، فهذا الجيل، الذي عاصر الطفرة الرقمية وشبكات التواصل، أعاد بناء مفهوم “الفعل السياسي” وأدواته من الصفر. ومن هنا فإن السياسة بالنسبة إليهم لا تقتصر على المقرات الحزبية الباردة التي لا تفتح أبوابها إلا مع اقتراب المواسم الانتخابية، بل تمارس بشكل حيوي ويومي عبر الهاشتاغات وحملات المقاطعة الاقتصادية المنظمة، وبواسطة محتوى رقمي ساخر يملك قدرة فائقة على تفكيك الخطاب الرسمي وتعريته في ثوانٍ معدودة.

لكن، عندما تحول هذا الزخم الرقمي الحاد إلى حراك ميداني يطالب بصحة جيدة وتعليم جيد، ويطالب بالعدالة، وتكافؤ الفرص، والكرامة، في المقابل جاء الرد عبر مقاربة أمنية صارمة تُرجمت إلى اعتقالات ومتابعات قضائية شملت المئات من المحتجين من شباب “جيل زيد” وصناع محتوى ونشطاء ميدانيين.

في المقابل لم تكن النتيجة هي التراجع، بل حدوث “شرخ وجداني” حاد بين الشباب والمنظومة الرسمية، فعندما يرى الشاب أن زميله أو جاره يُعتقل بسبب تدوينة أو وقفة سلمية، يتشكل لديه يقين بأن اللعبة السياسية الرسمية مغلقة وغير آمنة، وأن الصوت الشبابي لا يجد آذاناً صاغية إلا في محاضر الاستنطاق.

هذا الشرخ ضرب العقد الاجتماعي في عرض الحائط، إذ كيف تطالب الدولة شاباً بـ “الواجب الوطني” عبر صناديق الاقتراع، بينما تُغلق أمامه هوامش التعبير الآمن؟ النتيجة الطبيعية كانت هجرة جماعية نحو الفضاء الافتراضي، لبناء مجتمع موازٍ يملك لغته وقوانينه وآليات تضامنه البعيدة عن الوصاية.

العزوف كـ “فعل مقاوم” وبنية المقاطعة الواعية

بالرجوع إلى الأرقام هنا تتحدث بلغة صادمة إذ تشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن الشباب (بين 15 و34 سنة) يمثلون نحو 31% من سكان المغرب، نحن أمام كتلة ديمغرافية هائلة قادرة على قلب الموازين السياسية، غير أن المفارقة تكمن في أن نسبة الانخراط الحزبي أو النقابي وسط هذه الفئة لا تتجاوز 2%.

هذه الفجوة أكدتها استطلاعات “الباروميتر العربي” الأخيرة، حيث أعلن 70% من الشباب المغربي صراحة عن انعدام ثقتهم في الأحزاب السياسية، مفضلين المبادرات المدنية والرقمية. كما جاء تقرير “أفروباروميتر” لسنة 2024 ليوضح أن مشاركة الشباب الانتخابية تقل بـ 20 نقطة مئوية عن الفئات العمرية الأكبر.

ومع اقتراب الموعد الانتخابي، وتزامناً مع تداعيات الاعتقالات، يبدو أننا نسير نحو قفزة قياسية في نسب العزوف، لكن الحقيقة البنيوية التي يجب الانتباه إليها هي أن هذا العزوف لم يعد موقفاً سلبياً ناتجاً عن كسل أو جهل سياسي؛ إنه “فعل مقاوم” ومقاطعة واعية ومسيسة، الامتناع هنا هو “تصويت سلبي” يهدف إلى حجب الثقة عن منظومة بأكملها.

إن الشباب يقاطعون لأنهم يرفضون ظاهرة “الأوليغارشية الحزبية” وتوريث المناصب داخل أحزاب تحولت إلى عائلات نافذة وأعيان يحتكرون المشهد، مغلقين الأبواب في وجه الكفاءات الشابة التي لا تملك دمجاً مالياً أو عائلياً. والأهم من ذلك، هو القناعة المتجذرة بأن البرلمان والحكومة جُردا سلفاً من سلطة القرار الفعلي، وأن السياسات الاستراتيجية والقرارات الحقيقية تُطبخ في كواليس تكنوقراطية عميقة، مما يجعل الانتخاب مجرد مسرحية إجرائية لمنح شرعية ديمقراطية هشة لمؤسسات لا تحكم.

معادلة “الكرامة المعدومة” والهروب إلى الأمام

لا يمكن عزل المقاطعة السياسية لجيل “زد” عن واقعه الاقتصادي المأزوم، إذ ثمة مفارقة موجعة يعيشها الشاب المغربي: خطاب رسمي متفائل يبشر بـ “النموذج التنموي الجديد” ومشاريع قارية عملاقة، يقابله واقع تسجل فيه بطالة الشباب (خاصة حاملي الشهادات في المدن) أرقاماً قياسية تتجاوز 35%، بل وتتخطى عتبة 45% لدى الإناث والشباب خارج منظومة التعليم والتدريب.

وبالتالي يرى الشباب أن السياسات الاقتصادية المتعاقبة كرست “الهشاشة” عبر أنماط تشغيل غير مستقرة مثل التعاقد، مما حرم الجيل من القدرة على التخطيط للمستقبل والاستقرار الاجتماعي. ومع غياب العدالة المجالية والارتفاع الصاروخي للأسعار الذي سحق جيوب الأسر، أصبحت شعارات “الدولة الاجتماعية” تبدو مجرد غطاء لتمرير سياسات نيو ليبرالية شرسة تتجه نحو تسليع الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم العمومي لفائدة قطاع خاص يستنزف المواطن.

هذا الاختناق الاقتصادي يترجم سياسياً بشكل فوري ومباشر، فعندما يفقد الشاب الأمل في أن تغير “الورقة الانتخابية” واقعه المعيشي أو توفر له وظيفة تحفظ كرامته، يسحب اعترافه باللعبة برمتها، ومن هنا تصبح المقاطعة هي الاحتجاج الصامت لجيل يرى أن خياره الحقيقي للنجاة لم يعد وراء الستار الانتخابي، بل وراء الحدود؛ إما عبر “قوارب الموت” أو عبر “هجرة الأدمغة” القانونية لمن استطاع إليها سبيلا.

عندما يصبح الصمت صراخاً وهدم الشرعية المتخيلة

بعيداً عن جفاف التقارير الرسمية وإحصائياتها، يجب إدخال البعد الإنساني لفهم هذه الظاهرة، هذا الشاب المقاطع ليس عدواً لوطنه ولا كائناً عدمياً، بل هو إنسان خُذل بشكل متكرر.

فهو الخريج المتفوق الذي انتهى به الأمر واقفاً في طوابير “مراكز النداء” براتب زهيد، أو الشاب الذي رأى حلمه في الإصلاح يُجهض حين وجد صديقه في الدراسة خلف القضبان بسبب تغريدة تعبر عن وجع جماعي.

إن لوم الشباب على العزوف هو قلب مأساوي للحقائق وتبرئة للمسؤول الحقيقي. المنظومة المؤسساتية هي من عزفت عن الشباب أولاً؛ عزفت عن الإنصات لمطالبهم، وعن حل معضلة بطالتهم، وعن احترام ذكائهم وتجريدهم من أبسط حقوقهم.

المقاطعة اليوم ليست فراغاً، بل هي أعلى درجات الفعل السياسي؛ صراخ بالصمت يحمل رسالة واضحة: “لن نكون كراكيز في مسرحية كُتبت نصوصها مسبقاً، ولن نمنح شرعيتنا لمن لم يصن كرامتنا”. المقاطعة هنا أداة لخلخلة الركود وإجبار صناع القرار على مواجهة الحقيقة العارية.

استشراف الأفق: بين الانفراج وبديل التغيير الجذري

إن إنقاذ ما يمكن إنقاذه في الأفق السياسي لا يمر عبر حملات إعلانية ممولة في التلفزيون العمومي، ولا باستقطاب “مؤثرين” على تيك توك لصبغ المشهد بحداثة مزيفة.

بل إن الحل يتطلب انفراجاً سياسياً وحقوقياً جريئاً، يبدأ بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي والنشطاء الشباب كإشارة جادة لبناء الثقة، وفتح فضاءات التعبير دون تضييق أمني، مع فرض ديمقراطية داخلية حقيقية داخل الأحزاب تنهي زمن الولاءات والمال الانتخابي.

وفي قلب هذا الانسداد، يطرح تيار التغيير الديمقراطي والتقدمي نفسه كبديل سياسي واقتصادي يتقاطع مع هذا الغضب الشبابين، إذ أن هذا المشروع هو المخرج الذي يكمن في صياغة “تعاقد تاريخي جديد” يقطع مع الاختيارات النيو ليبرالية المفقرة، ويتجه نحو بناء دولة ديمقراطية تضمن التوزيع العادل للثروات، وحماية القطاعات الحيوية، وإعادة الاعتبار للمدرسة والمستشفى العموميين.

الرهان هنا هو تسييس هذا الامتناع الشبابي وتحويله من “رفض سلبي” إلى قوة ضاغطة من أجل بناء الديمقراطية والكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية، ليكون المشروع المجتمعي المتكامل هو القناة البديلة التي تعيد الأمل.

بدون هذه الهيكلة الشاملة، ستظل الانتخابات المقبلة مجرد إجراء بارد وشكلي يعيد إنتاج نفس الأزمة ونفس المؤسسات العاجزة عن كسب مشروعية شعبية لدى جيل يمثل مستقبل المغرب.

جيل “زد” لا يقاطع كرهاً في الوطن، بل رغبة في وطن يتسع لأحلامه الكبيرة.. أحلام ضاقت بها، بكل أسف، صناديق اقتراع مغلقة.

قد تعجبك أيضاً