بقلم: حمزة شافعي
آلية العفو وسراب الانفراج السياسي
يشكل التقرير السياسي والحقوقي الصادر عن مجموعة “شابات من أجل الديمقراطية” لعام 2025 وثيقة إدانة صارخة تكشف بالملموس طبيعة المرحلة السياسية التي تمر منها بلادنا، حيث أضحت المقاربة القمعية هي الخيار الوحيد والمنهجي للنظام المخزني في مواجهة تنامي الوعي الشعبي والحركات الاحتجاجية.
إن قراءة هذا التقرير تفرض تفكيك خلفيات الاستهداف الممنهج للمدافعات عن حقوق الإنسان، واللواتي يوجدن اليوم في قلب الصراع ضد بنية المخزن الساعية لتأبيد سيطرتها عبر ترهيب الأصوات الحرة.
ويبرز اعتقال المناضلة سعيدة العلمي في فاتح يوليوز 2025 كحالة نموذجية تفسر كيف يتعامل النظام مع آلية العفو، فهو لا يراها كمدخل لانفراج سياسي حقيقي بل كأداة لاحتواء النضال واختبار مدى قدرة المناضل على الرضوخ، وحين استمرت العلمي في نقد السياسات العامة، تم تفعيل خيار الانتقام القضائي عبر تهم جاهزة كإهانة القضاء، وهي صياغات يراد بها حماية الواجهة المؤسساتية من التعرية السياسية.
تحالف التشهير الرقمي والنزعة البطريركية للسلطة
يتجاوز هذا القمع حدود الزنزانة ليصل إلى حرب رقمية تقودها أبواب التشهير والذباب الإلكتروني التابع للأجهزة، حيث تتعرض مناضلات وصحافيات مثل لبنى الفلاح والسيدة بشرى الخونشافي، وخلود المختاري لحملات تشهير تستهدف حياتهن الخاصة بأسلوب ذكوري مقيت.
إن هذا الربط بين الملاحقة القضائية والوصم الاجتماعي يهدف بالأساس إلى رفع تكلفة النضال بالنسبة للمرأة، واستغلال الرواسب الأبوية في المجتمع لفرض حصار أخلاقي على المناضلات، وهو ما نعتبره وجهاً من أوجه العنف الطبقي والسلطوي الذي يسعى لإقصاء النساء من الحيز العام وإعادتهن إلى دائرة الصمت والتبعية، مما يفرغ النقاش الديمقراطي من محتواه التقدمي ويحول المؤسسات القضائية والمهنية إلى أدوات ضغط إضافية لكسر إرادة الممانعة.
استهداف جيل Z ومحاولة وأد الوعي الطلابي
في سياق متصل، يكشف استهداف شابات من “جيل Z”، كما هو الحال مع الطالبة يسرى خلوفي في تازة ورفيقاتها في مدن أخرى كتوقيف الشابة “زينب خروبي” من المطار الناشطة في حركة “جيل زيد”، ينبثق عن رعب السلطة من انتقال جذوة النضال إلى الأجيال الجديدة التي بدأت تبلور مطالب دقيقة تتعلق بالحقوق الأساسية كالنقل الجامعي والتعليم العمومي والكرامة في الفضاء العام.
إن الحكم على هؤلاء الشابات للمثول أمام المحاكم هو قرار سياسي بامتياز يهدف إلى مركزة القمع وترهيب الحركة الطلابية، مع ما يرافق ذلك من ممارسات مهينة وحاطة بالكرامة داخل مراكز الاحتجاز، مما يؤكد أن النظام لا يتوانى عن استخدام أساليب الإذلال لكسر إرادة الجيل الصاعد ومنعه من الانخراط في مشروع التغيير الديمقراطي الجذري الذي يربط الخبز بالحرية.
تسييس المقدسات وتوظيف الفصول القمعية للقانون الجنائي
أما توظيف ورقة “المقدس” والدين في محاكمة المناضلة ابتسام لشكر، فهو يعري مرة أخرى زيف شعارات الدولة المدنية، حيث يتم تمطيط النصوص الجنائية مثل الفصل 220 لضرب الحريات الفردية وتصفيات الحسابات السياسية مع الحركات الحقوقية. إن هذا الاستخدام السياسي للدين يهدف إلى عزل المناضلات عن بيئتهن الشعبية ووصمهن بالخروج عن الثوابت، في محاولة بائسة لعرقلة وحدة النضال الديمقراطي الذي يربط بين التحرر السياسي والتحرر الاجتماعي، وهو ما ترفضه القوى الحية التي ترى في حرية الضمير جزءاً لا يتجزأ من معركة الديمقراطية الشاملة ضد الاستبداد الذي يحاول شرعنة القمع بغطاء ديني أو أخلاقي.
الانتقائية القضائية كآلية لضرب الرموز النضالية
ختاماً، فإن حالة الأستاذة نزهة مجدي والتمييز في الأحكام بينها وبين رفاقها في ملف الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد، يقدم الدليل القاطع على أن النظام يمارس قمعاً انتقائياً يستهدف الوجوه النسائية البارزة لكسر رمزية صمودهن في الساحات والميدان.
إن هذه السياسة القمعية المتكاملة، التي تجمع بين السجن والتشهير والاستغلال السياسي للدين والقانون، لن تزيدنا إلا إصراراً على فضح هذه الممارسات وربط نضالات المدافعات عن حقوق الإنسان بالمعركة العامة للشعب المغربي من أجل الكرامة والعدالة الاجتماعية وبناء مجتمع ديمقراطي متحرر من قبضة الاستبداد، حيث تظل حماية المدافعات عن الحقوق معياراً أساسياً لمدى تقدم النضال نحو التحرر الوطني والديمقراطي.
