198
ش. ن. د. ع
يأتي أول خروج رسمي مغربي للتواصل بشأن أحداث العبور الجماعي نحو سبتة ومليلية المحتلتين، ليكشف عن طبيعة المخزن في التعاطي مع الأزمات الهيكلية ذات الطابع الاجتماعي والسياسي؛ فبدل الوقوف بشجاعة أمام مرآة الواقع الغاضب، اختارت وزارة الداخلية الركون إلى لغة بيروقراطية باردة، تمتهن تبرير الإخفاق وتوزيع الاتهامات خارج الحدود، في محاولة يائسة لطمس المعالم الحقيقية لنزيف جماعي يعيشه المجتمع المغربي، وتغطية الشمس بغربال الأرقام الرسمية التي تصطدم يوميا بتقارير الصحافة العالمية والمعطيات الدولية. في ما يلي ملاحظاتنا على البيان المهزوز لوزارة الداخلية:
-
سبتة ومليلية مدينتين مغربيتين محتلتين. الشعب المغربي قاطبة متمسك بهاتين المدينتين الغاليتين. لقد تجنبت الداخلية استعمال تعبير “محتلتين” وهذه سقطة سياسية فادحة. لن نسمح في التفريط في هذه الأرض العزيزة.
-
لا يمكن وصف التأخر الكبير للسلطات المغربية في التواصل مع الرأي العام بشأن هذه الواقعة سوى بالفضيحة المكتملة الأركان. لقد تُرك الرأي العام لاستهلاك الرواية الإسبانية والغربية والصهيونية، وساهم ذلك في تكريس الارتباك والخوف وشجّع الإشاعة القاتلة. إن هذا الصمت بالإضافة إلى كونه فشلا، فإنه أيضا دليل على ضعف الدولة وعدم امتلاكها الجرأة للتواصل مع المواطنين بشأن ما يحدث. إن هذا الضعف عميق.
-
اختار النظام السياسي أن يوكل مهمة التواصل لوزارة الداخلية، التي اكتفت بدورها بإصدار بيان صحافي عبر الناطق الرسمي باسمها، بدل عقد ندوة صحفية مفتوحة للأسئلة أو خروج وزير الداخلية أو رئيس الحكومة بنفسه لتحمل المسؤولية السياسية. لقد غاب السياسي وحضر الموظف، وهو اختيار متعمد، يؤكد نفوذ وزارة الداخلية وهيمنتها على الشأن الحكومي، ويخفي المسؤولية السياسية و يقزّم من حجم الحدث.
-
تريد الدولة تهميش الحدث بوصفه واقعة أمنية ظرفية وعابرة، لا بكونه كارثة وطنية وأزمة سياسية واجتماعية كبرى ومتجذرة تستدعي التعبئة و المصارحة والمحاسبة. إن هذا تأكيد على ضعفها، وتأكيد أيضا على خوفها من الرأي العام الغاضب.
-
يصر بيان وزارة الداخلية على تحديد أعداد الفارين من جحيم الواقع في حوالي 40 ألف شخص باتجاه سبتة المحتلة و1135 باتجاه مليلية المحتلة واصفا أرقامه بالمرجع المعتمد، وعلى النقيض، وثقت السلطات الإسبانية وكبرى وسائل الإعلام العالمية ومنظمات حقوقية وطنية ودولية (مثل The Guardian وAFP) تدفقا بشريا هائلا وصل في موجات النزوح الأخيرة إلى ما يناهز 50,000 إلى 60,000 مهاجر حاولوا الوصول دفعة واحدة أو على موجات متقاربة. إن أرقام الداخلية مشكوك فيها وبقوة، ولا تحاول سوى الانتقاص من حجم الحدث، ضدا في ما رآه الناس.
-
تعلن الداخلية عن 10 حالات غرق وحالة وفاة واحدة عرضية إثر “السقوط من مرتفع صخري”. في المقابل، وثقت وكالات الأنباء العالمية نقلا عن السلطات الإسبانية في سبتة المحتلة ومندوبية الحكومة الإسبانية (مثل تصريحات Miguel Angel Perez Triano) أن حصيلة الضحايا المأساوية ارتفعت لتصل إلى 72 حالة وفاة تم انتشالها أو رصدها (لحدود الآن)، وهو رقم صادم يكشف حجم الكارثة الإنسانية التي يحاول الخطاب الرسمي المغربي تقزيمها عبر ربط الاعتراف بالضحايا ببيروقراطية التحقق من الهويات والجنسيات.
-
خلا البيان من أي عبارة تعاطف أو تعزية لعائلات الضحايا، وهو ما يترجم نظرة الدولة التي تتعامل مع المشاركين في العبور باعتبارهم “مرتكبي أفعال مجرّمة” لا مواطنين دفعتهم ظروف البلاد إلى حافة التهلكة.
-
تجاهل البيان تماما وبشكل متعمد تقديم أي حصيلة أو معطيات عن الإصابات والمواجهات الميدانية التي وقعت بين القوات العمومية والمهاجرين، سواء في باب سبتة أو بمحيط معبر بني نصار.
-
تقول الداخلية إن التعامل مع التدفق كان “متناسبا”، ومكٌن من “حفظ الأرواح”، لكن هذه الرواية ليست صحيحة. لقد رأينا صورا توثق كيف قام عنصر من القوات العمومية بضرب شاب أعزل بصخرة من الأعلى، وينهال عليه هو ومن معه بالضرب المبرح، دون أي مبرر، وفي غياب لأي تناسب. يمكن أن يكون هذا الشكل من التدخل نمطا، لكن في غياب تام لأية محاسبة أو تحمل للمسؤولية. ينضاف إلى ذلك العدد المهول للوفيات. من يتحمل المسؤولية غير الدولة؟
إن محاولة وزارة الداخلية تعليق أسباب الهروب الجماعي على شماعة “الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي” و”عصابات الاتجار في البشر”، هو تعمية مقصودة عن واقع أرقام صادمة وموثقة تقض مضجع الشباب المغربي:
-
جيش العاطلين والمهمشين (NEET): تكشف تقارير المندوبية السامية للتخطيط (HCP) ومنظمة العمل الدولية (ILO) أن المغرب يضم ما يناهز 2.9 مليون شاب وشابة (بين 15 و29 سنة) خارج دائرة التعليم والعمل والتكوين (NEET)، أي ما يعادل 33.6% (ثلث شباب المغرب). وفي الفئة العمرية الشابة (15-24 سنة)، تبلغ نسبة العطالة والتهميش 25.6% (حوالي 1.5 مليون شاب).
-
بطالة قياسية تتجاوز ثلث الشباب: تتجاوز نسبة البطالة الرسمية وسط الشباب المغربي حاجز 37.2%، وتتفاقم في المجال القروي والمناطق المهمشة لتصل إلى مستويات قياسية، مما يجعل 70% من الشباب المغربي يبدون رغبة صريحة في الهجرة ومغادرة البلاد، حسب تقارير البارومتر العربي.
القمع: من “حراك الريف” إلى “جيل زيد” ومناهضي التطبيع وغيرهم
لا يمكن فصل هذا اليأس الجماعي والهروب نحو الموت عن حالة الاختناق السياسي والحقوقي التي تشهدها البلاد، والتي تترجمها حملات الاعتقال والمتابعة المستمرة:
-
استمرار جراح “حراك الريف”: لا يزال خيرة شباب الريف وقادته يقبعون في السجون بعقوبات قاسية تصل إلى 20 سنة سجنا نافذا (9 معتقلين متبقين في السجون حتى اليوم)، مما رسخ شعورا بالإحباط العام وانعدام العدالة المجالية والاجتماعية.
-
قمع حرية الرأي والتعبير: توثق الهيئات الحقوقية (مثل الجمعية المغربية لحقوق الإنسان) مئات المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي، والفنانين، حيث طالت الاعتقالات والمتابعات القضائية الصحافيين المستقلين، والمدونين، ومئات الشباب ممن اعتقلوا فقط بسبب منشورات على منصات التواصل الاجتماعي أو مشاركتهم في احتجاجات سلمية.
-
ملاحقة الجيل الجديد والنشطاء: امتدت المقاربة الأمنية لتشمل القمع والتضييق على شباب “جيل زيد” الذين يعبرون عن سخطهم عبر الوسائط الرقمية، إضافة إلى المتابعات والاستدعاءات المتواصلة في صفوف نشطاء ومناهضي التطبيع والمتظاهرين سلميا تضامنا مع القضايا العادلة، مما أغلق كل قنوات التعبير السلمي، وجعل من “قوارب الموت” والسباحة نحو الضفة الشمالية المنفذ الوحيد للهروب من واقع محاصر.
-
طرد الطلبة المناضلين من الجامعة: حتى الطلبة الذين يناضلون من أجل حقهم في التعليم والتعبير لم يسلموا من المقاربة القمعية للنظام، ووصل الأمر حد طردهم من الجامعة وحرمانهم من حقهم المقدس في التعليم كما حدث مع طلاب القنيطرة.
حراسة الحدود وقمع المهاجرين
-
تأكيد وظيفة “حارس البوابة الأوروبية”: بتركيزه على عبارات تؤكد أن المغرب “سيظل شريكا موثوقا ومسؤولا” في مكافحة الهجرة غير النظامية، يوجه البيان رسائل طمأنة للخارج على حساب الداخل، مؤكدا التزام الرباط بدور “الدركي” الحريص على أمن الحدود الأوروبية والتنسيق الدولي أكثر من حرصها على فهم معاناة مواطنيها.
