بقلم: حمزة شافعي
تعيش جامعة ابن طفيل بالقنيطرة على وقع غليان طلابي وحقوقي غير مسبوق، يأتي في قلب سياق وطني يتسم بالانتقال نحو مرحلة جديدة من “إعادة هيكلة” التعليم العالي بالمغرب.
هذا الاحتقان ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة مباشرة للتصادم بين الرؤية الحكومية المتمثلة في مشروع القانون رقم 59.24 -الذي يسعى لملاءمة التكوين الجامعي مع متطلبات السوق وإعادة النظر في مجانية المسالك العليا- وبين حركة طلابية ترى في هذه التحولات “إجهازاً” على آخر قلاع الوظيفة الاجتماعية للجامعة العمومية.
وما زاد من قتامة المشهد هو انزياح الصراع من حوار رسمي، إلى مواجهة مفتوحة في ساحات الجامعة والمحاكم، توجت بسلسلة من قرارات الطرد النهائي والاعتقالات التي طالت مجموعة من الطلبة، مما يضع “السلم الجامعي” أمام اختبار حقيقي.
توقيفات وطرد جماعي.. “إعدام أكاديمي” للطلبة
بينما تسعى رئاسة الجامعة لضمان السير العادي للدراسة، يتهم طلبة ونشطاء نقابيون السلطات الجامعية والأمنية باعتماد المقاربة الزجرية وسيلةً لفض الاحتجاجات، مما أدى إلى سلسلة من التوقيفات وقرارات الطرد الجماعي.
وفي هذا السياق، اعتبرت فاطمة حليوى، الطالبة المطرودة وعضوة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب (فصيل الطلبة القاعديين التقدميين)، أن القرارات الأخيرة بـ”إعدام الطلبة أكاديمياً” هي امتداد لسياسة تهدف لتقويض الأدوار النضالية للجامعة.
وأشارت حليوى، في تصريح صحفي، إلى أن المسار الاحتجاجي قوبل بتدخلات أمنية أفضت إلى أحكام بالحبس النافذ لمدة شهرين في حق 14 طالباً، إضافة إلى طرد 23 طالباً وطالبة بشكل نهائي، وهو الإجراء الذي اعتبرته عقوبة قاسية تحرم الشباب من حقهم الدستوري في التحصيل العلمي.
مأساة إنسانية.. اعتقالات جديدة في “أبريل الأسود”
ورصدت عضوة “أوطم” استمرار النزيف الحقوقي، حيث سجلت اعتقالات جديدة في شهر أبريل الجاري طالت الطالب “مروان الأحمر” والناشطة “أمة الله أمزال” من منزل عائلتها.
وتحدثت حليوى بمرارة عن تزامن اعتقال الطالبة “أمة الله” مع تلقيها خبر وفاة شقيقها وهي قيد التحقيق، مما زاد من قتامة المشهد الحقوقي داخل الجامعة، معتبرة أن استهداف موقع القنيطرة يهدف لـ”إقبار” الفعل النقابي الممانع لكل أشكال تسليع الجامعة.
اعتصامات مفتوحة ورفض لمنطق “التصفية”
في المقابل، يواصل الطلبة المطرودون خوض اعتصامات مفتوحة أمام عمادة الكلية ورئاسة الجامعة، مؤكدين تشبثهم بالحق في العودة إلى الدراسة بشكل غير مشروط.
وأوضح “منعم بنعيسى” (طالب مطرود) أن هذه القرارات نتاج لسياسة الوزارة، مؤكداً أن الاستهداف امتد ليشمل الحق في التفكير والتنظيم.
واعتبر المتحدث، أن منطق التصفية المتبع، والذي تُوج باعتقالات هذا الأسبوع، يهدف لفرض سياسة “الأمر الواقع” بعيداً عن أي حوار مسؤول، محذراً من تحويل الجامعة إلى “فضاء صامت”.
مخطط لـ “خوصصة” المعرفة
من جانبه، صرح “رضا زعرور”، المنسق الوطني لفصيل “طلبة اليسار التقدمي”، الدراع الطلابي لحزب النهج الديمقراطي العمالي، أن موجة الطرد والاعتقالات هي نتاج طبيعي لمسلسل الزحف المستمر على مكتسبات الحركة الطلابية.
ووجه الفصيل، انتقادات حادة لمشروع القانون 59.24، معتبراً إياه مخططاً لـ”خوصصة” التعليم العالي ومنح “البورجوازية” حقاً حصرياً في الدراسات العليا، محذراً من استنساخ النموذج الأمريكي الذي يغرق الطالب في الديون.
ونبه الفصيل إلى أن التوجهات الجديدة تسعى لتحويل المعرفة إلى “سلعة” محتكرة، مما يقضي على المكانة النبيلة للجامعة كفضاء للفكر الحر.
وأعلن المنسق الوطني تضامنه اللامشروط مع “الجماهير الطلابية” بالقنيطرة، داعياً لمواجهة “السياسات الطبقية” والتمسك بـ”أوطم” كإطار وحيد لصون كرامة الطالب.
لجنة الدعم: صكوك براءة قضائية ومحاكمات تأديبية
وفي سياق مماثل، وصفت “أميمة موموش”، عضوة “لجنة دعم طلبة جامعة ابن طفيل”، ما يجري بـ”التصعيد الخطير” لتصفية الفعل السياسي.
وأكدت اللجنة، في تصريح صحفي أن القضاء أسقط تهمة “العنف” عن الطلبة المعتقلين، مما يعتبر “صك براءة” يؤكد سلمية احتجاجاتهم، مستنكرة اللجوء لمحاكمة ثانية داخل المجالس التأديبية التي أفضت لطرد 22 طالباً وطالبة حتى الآن.
وحيّت اللجنة الأساتذة الباحثين الذين رفضوا الانخراط في منطق العقاب، منتقدة صمت بعض الإطارات النقابية الأخرى.
حقوقيون على الخط: “التعليم حق مقدس”
ومن جانبها، دخلت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان (فرع القنيطرة) على خط الأزمة ببيان شديد اللهجة تحت شعار “التعليم حق مقدس لا ينبغي المساس به”.
وأدانت الجمعية “الإعدام الرمزي” لمستقبل الشباب، مؤكدة أن قرارات الطرد سياسية بامتياز وليست نتاج مجالس تأديبية عادية، داعية للتدخل العاجل لضمان عودة المطرودين وإطلاق سراح المعتقلين.
رئاسة الجامعة تتمسك بـ “المخالفات الجسيمة”
من جهتها، دافعت رئاسة جامعة ابن طفيل عن قراراتها في بلاغ سابق، معتبرة أنها جاءت على خلفية مخالفات جسيمة تشمل الاعتداء اللفظي والجسدي وإكراه الطلبة على مغادرة القاعات.
وحاول موقع “الحياة اليومية” التواصل مع الرئاسة لاستيضاح موقفها بعد تبرئة القضاء للطلبة من تهمة العنف، إلا أن جميع المحاولات باءت بالفشل، ليبقى المشهد في “ابن طفيل” مفتوحاً على كافة الاحتمالات.
