الرئيسية » الطلبة المناضلون والعمال: حلف طبقي بدون أدوات تنظيم

الطلبة المناضلون والعمال: حلف طبقي بدون أدوات تنظيم

لا يمكن الحديث عن إعادة بناء النقابة الطلابية دون وضع استراتيجية واضحة للتجميع النضالي

كتبه user B

بقلم: أدم روبي

الخريجون الجامعيون المغاربة ليسوا طليعة الحركة النقابية العمالية، رغم أن المفترض أن يكونوا كذلك. لماذا؟ لأنهم يخرجون من الجامعة وهم لم يتدربوا يوماً على العمل التنظيمي داخل نقابة طلابية ديمقراطية وجماهيرية. النتيجة: أطراف متفرقة، شعارات ثورية تنتهي بانتهاء الوقفة، ونضالات عمالية تفتقر إلى الاستمرارية والتراكم. هذا المقال محاولة لفهم جذور الأزمة، ورسم ملامح استراتيجية تجميع نضالي تعيد الاعتبار للدور الطليعي للطلبة والخريجين، بالتحالف مع القوى التقدمية والديمقراطية.

أولاً: غياب الإطار الطلابي يُفقد الخريجين الخبرة التنظيمية

في غياب نقابة طلابية موحدة وقوية، يتخرج الطالب المناضل وهو لا يحمل في جعبته سوى الذاكرة العاطفية لبعض الاحتجاجات، دون أدنى إلمام بمبادئ التنظيم: القيادة الجماعية، المساءلة، الانضباط الطبقي، والعلاقة العضوية مع الجماهير. هذا الفراغ التنظيمي هو الذي يفسر لماذا ينصرف معظم الخريجين عن النضال العمالي بعد التخرج، ولماذا تبقى مشاركتهم في إضرابات العمال مجرد ومضات فردية لا تبني قوة.

التجربة التاريخية للاتحاد الوطني لطلبة المغرب في السبعينيات والثمانينيات تثبت العكس: فحين كان الطلبة منظمين في نقابة طلابية جماهيرية، كانوا يشكلون رافداً أساسياً للحركة النقابية العمالية، وكان الخريجون يدخلون المصانع والأحياء الشعبية وهم مسلحون بفهم نظري وتنظيمي. اليوم، ومع غياب هذا الإطار، تحول الخريجون إلى مجرد أفراد يبحثون عن عمل، بدلاً من أن يكونوا كوادر تنظيمية.

ثانياً: اعتقال الطلبة في غياب إطار نضالي: ضربة موجعة للجميع

إن اعتقال الطلبة المناضلين في الجامعات المغربية، كما يحدث هذه الأيام في سياق النضالات المتفرقة، ليس مجرد إجراء أمني ضد أفراد، بل هو ضربة موجعة ومباشرة تمتد آثارها إلى ثلاثة مستويات مترابطة:

أولاً: على مستوى الطالب المناضل نفسه – فاعتقاله يعني حرمانه من متابعة دراسته، وتكبيده عناء التحقيق والمحاكمة والاحتجاز أحياناً، وترك ندوب نفسية وجسدية قد تلازمه مدى الحياة. والأسوأ من ذلك هو الشعور بالعزلة: ففي غياب نقابة طلابية تدافع عنه، وتوفر له محامياً، وتنظم حملات تضامن يومية، يجد الطالب نفسه وجهاً لوجه أمام آلة القمع، وتتحول قضيته من قضية سياسية إلى ملف جنائي فردي.

ثانياً: على مستوى عائلات الطلبة – عائلات الطلبة المناضلين، التي غالباً ما تنتمي إلى الطبقات الكادحة والمتوسطة، تجد نفسها فجأة في مواجهة أجهزة الدولة دون أي سند. الأب والأم لا يفهمان في السياسة، لكنهما يفهمان الخوف على ابنهما. في غياب إطار نقابي يشرح لهما الأبعاد السياسية للاعتقال، ويوفر لهما الدعم المعنوي والمادي، تتحول العائلة إلى رهينة الضغط النفسي، وقد تصل بهم الحال إلى التبرؤ من نضال ابنهم خوفاً على مستقبله، أو الانكسار وطلب “العفو” من السلطات. هذه الهزيمة على المستوى العائلي هي انتصار استراتيجي للنظام، لأنه يكسر الإسناد الاجتماعي للنضال الطلابي.

ثالثاً: على مستوى الحركة التقدمية والديمقراطية بأكملها – كل طالب معتقل هو خسارة مؤقتة أو دائمة لطاقة نضالية كان يمكن أن تصبح قيادة عمالية غداً. في غياب إطار منظم ينتج مناضلين بالجملة، ويحميهم، ويضمن استمراريتهم، فإن كل اعتقال يصبح ضربة موجعة قد تقضي على تجربة نضالية كاملة قبل أن تبدأ. الحركة التقدمية في المغرب، التي تعاني أصلاً من التشرذم والضعف، لا يمكنها أن تتحمل فقدان كوادرها الشابة بهذه السهولة. النظام يعرف ذلك جيداً، ولذلك يضرب بشدة كلما سنحت له الفرصة، مستغلاً ضعف تنظيم الطلبة وغياب إطار وطني يدافع عنهم.

هذا الواقع المؤلم يؤكد حاجة ملحة وإستراتيجية: لا يمكن حماية الطلبة المناضلين، ولا عائلاتهم، ولا مستقبل الحركة التقدمية، بدون نقابة طلابية قوية جماهيرية مستقلة، تكون قادرة على التوجيه، والحماية، والدفاع الجماعي، وتحويل كل قضية اعتقال إلى حملة سياسية تضغط من أجل الإفراج، وليس إلى استعطاف فردي.

ثالثاً: الرغبة في النضال موجودة، لكن بدون استراتيجية

لا أحد ينكر أن طلبة مغاربة – وفي مقدمتهم من نزلوا مؤخراً إلى جانب عمال “سيكوم” بمكناس رافعين شعارات ثورية – يمتلكون رغبة صادقة في المساهمة بنضالات الطبقة العاملة. لكن هذه الرغبة تبقى بلا استمرارية، لأنها غير موضوعة في إطار خطة سياسية واستراتيجية. غياب الخطة يعني أن الفعل النضالي يتحول إلى رد فعل ظرفي، لا إلى بناء تراكمي. مناضلو سيكوم يحتاجون إلى رفيق دائم في المعركة، لا إلى حضور شرفي في وقفة ثم انصراف.
إن غياب استراتيجية واضحة يجعل الطلبة المناضلين يعيدون اختراع العجلة في كل حركة احتجاجية، بدلاً من البناء على تجارب سابقة. وهم بذلك يستهلكون طاقتهم في معارك دفاعية متكررة، دون أن يبنوا قوة هجومية قادرة على فرض مطالب الجماهير. كما أن غياب الخطة يجعل الاعتقالات أكثر تأثيراً، لأن كل معتقل يعزل عن بقية الحركة.

رابعاً: إعادة بناء الاتحاد الوطني لطلبة المغرب هو المفتاح

الحل ليس في رسائل الاستعطاف التي تطلب العفو عن الطلبة المطرودين أو المعتقلين، بل في إعادة بناء أداة تنظيمية نضالية قادرة على فرض الحقوق لا التوسل بها. هذه الأداة هي الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، كنقابة طلابية جامعة لكل الطلبة المناضلين، على أسس المبادئ الأربع التي قام عليها: الجماهيرية، التقدمية، الديمقراطية، والاستقلالية.

· الجماهيرية: أن يكون مفتوحاً لكل الطلبة الكادحين، لا للنخب الصغيرة.
· التقدمية: أن يرتبط بقضايا التحرر الطبقي والاجتماعي، لا بالشعارات المحافظة.
· الديمقراطية: أن تُبنى قياداته عبر الانتخاب والمحاسبة، لا بالتفويض الأبوي.
· الاستقلالية: أن يبتعد عن الوصاية الحزبية الضيقة، مع بقائه حليفاً طبقياً لليسار العمالي.

هذا الاتحاد، حين يُعاد بناؤه على هذه الأسس، سيكون قادراً على تأطير الطلبة المناضلين داخل الجامعة، وتدريبهم على العمل النقابي، ثم ربطهم عضوياً بنضالات الجماهير الشعبية: عمال سيكوم بمكناس، عمال المناجم، المضربين عن الطعام في المصانع المستغلة، والفلاحين المهددين بنزع أراضيهم. كما سيكون درعاً حامياً للمناضلين، لأن القضية ستصبح قضية تنظيم وليس قضية فرد.

خامساً: استراتيجية التجميع النضالي: أدوار محددة لكل فاعل

لا يمكن الحديث عن إعادة بناء النقابة الطلابية دون وضع استراتيجية واضحة للتجميع النضالي، تحدد أدوار كل من:

1. دور الطلبة المناضلين داخل الجامعة:

· تشكيل لجان نضالية في الكليات والأقسام، تعمل على حماية الحقوق الدراسية والاقتصادية للطلبة (السكن، المنح، النقل).
· تنظيم حملات تضامن دائمة مع الإضرابات العمالية في المدينة، من خلال الوقفات التعريفية، وجمع التبرعات، ونشر البيانات المشتركة.
· التدريب النظري والسياسي عبر حلقات دراسة حول قضايا الرأسمالية، والنقابية، وتاريخ الحركة العمالية بالمغرب.

2. دور الخريجين المناضلين في مواقع العمل:

· بمجرد التحاقهم بسوق العمل، عليهم أن يصبحوا النواة التنظيمية داخل النقابات العمالية القائمة (أو تشكيل نقابات جديدة إذا كانت القائمة فاسدة أو عميلة).
· العمل على ربط النضال داخل المصنع أو المؤسسة بالنضال الطلابي في الجامعات المجاورة، لخلق حلقات تضامن عملية.
· نقل الخبرة التنظيمية التي اكتسبوها (أو كان المفترض أن يكتسبوها) في النقابة الطلابية إلى العمل النقابي العمالي.

3. دور القوى التقدمية والديمقراطية:

· الأحزاب والمنظمات اليسارية، والنقابات العمالية المستقلة، والجمعيات الحقوقية، مدعوة إلى دعم إعادة بناء الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، ليس بالوصاية عليه، بل بتوفير الفضاءات والموارد والخبرات.
· فتح مكاتبها وقاعاتها لتأطير الندوات والدورات التكوينية للطلبة.
· الدفاع عن الطلبة المطرودين والمعتقلين كقضية مركزية، لا كمسألة إنسانية عابرة، وإدراج مطالبهم في برامجها النضالية.
· المساهمة في خلق “صندوق تضامن” لدعم الطلبة المناضلين المحتاجين، ولتمويل الأنشطة النقابية.

سادساً: من النضال المشترك إلى إعادة البناء الفعلي

بدلاً من انتظار “رحمة” الجامعة أو السلطات، يمكن للطلبة المناضلين اليوم، رغم ضعف تنظيمهم، أن يبدأوا بإعادة بناء النقابة الطلابية من خلال خوض نضالات مشتركة. قضية الطلبة المطرودين تأديبياً بجامعة القنيطرة، والطلبة المعتقلين، ليست مجرد قضايا فردية – بل هي مفاتيح سياسية لإعادة التجميع. فالنضال من أجل إعادة المطرودين وإطلاق سراح المعتقلين، حين يخاض بشكل منظم وموحد، يمكن أن يشكل نواة لولادة اتحاد وطني جديد. المطلوب هو تحويل هذه القضايا إلى حملات نضالية تراكمية، يساهم فيها الطلبة المناضلون، وخريجو الجامعة المناضلون، ومناضلو الأطر النقابية والسياسية التقدمية، عوض رسائل استعطاف تُرفع للمسؤولين.

إن كل وقفة احتجاجية ناجحة لعمال “سيكوم”، وكل انتصار ولو جزئي للمضربين عن الطعام، يجب أن يتحول إلى درس تنظيمي يُدرّس في ورشات داخل الجامعة. وهنا يأتي دور الخريجين الذين يمتلكون تجربة ميدانية لنقلها للطلبة.

خاتمة: لا نضال عمالياً بدون طليعة طلابية منظمة

الحركة النقابية العمالية في المغرب لا يمكنها أن تنتصر بدون طليعة طلابية منضبطة ومنظمة. وهذه الطليعة لن تخرج من رحم الفعاليات الظرفية أو المجموعات الفيسبوكية، بل من رحم نقابة طلابية جماهيرية ديمقراطية. إعادة بناء الاتحاد الوطني لطلبة المغرب على مبادئه الأصلية ليست ترفاً نظرياً، بل ضرورة سياسية ملحة. ومن لم يؤمن بذلك، فليفسح المجال لمن يؤمن.

طريق النضال طويل، لكن الخطوة الأولى هي تنظيم صفوفنا. والخطوة الثانية: تحويل كل قضية عادلة إلى حملة تراكمية، وكل نضال طلابي إلى جسر يصل إلى المصنع والحقل والحي الشعبي. التجميع النضالي ليس شعاراً، بل بناء يومي متعب وهادئ، لكنه الطريق الوحيد لصناعة النصر.

طريق النضال طويل، لكن النضال المشترك يختصره.

قد تعجبك أيضاً