في السنة الماضية شهد المغرب ودول أخرى عديدة شبابا يطلقون على أنفسهم “جيل زيد” وهم يكتسحون شوارع المدن تعبيرا عن غضبهم لاستفحال التفاوتات الطبقية وانتشار الفساد والتفقير والتهميش. وقد استطاع هؤلاء الشباب في حالات عدة ان يسقطوا رؤساء دول وان يغيروا حكومات. فبعد دولة كينيا وما شهدته من احتجاجات، اشتعلت شوارع بنغلاديش، وصربيا، واندونيسيا، والفلبين وفيما بعد ذلك النيبال، ثم جاء الدور على المغرب حيث شهدت عدد من مدنه خروج الشباب بأعداد غفيرة للشوارع للتعبير عن رفضهم لاستفحال الفوارق الطبقية وضد الفساد والمحسوبية والزبونية المستشرية بالمجتمع وبدواليب الدولة.
“جيل ز يد” هي تسمية أطلقت على شباب ما دون 25 سنة، ازداد ما بين منتصف التسعينيات من القرن الماضي وأواخر العقد الأول من الالفية الحالية. يعتبرهم عدد من الباحثين جيل مدمن على التكنولوجيا لدرجة ان هواتفهم المحمولة صارت امتدادا لأجسادهم، وانهم يتخذون من شبكات التواصل الاجتماعي أهم وسيلة لترسيخ انشطتهم في الواقع. بعض الكتابات تعرف هذا الجيل ايضا ب”المواطنين الرقميين”. غير ان الاستخدامات الشائعة لهذا المفهوم، سواء في السياق العام او في المجال العلمي، تبقى الى حد ما فضفاضة وغير دقيقة، فهذا المفهوم الذي صار جزءا مألوفا من اللغة المتداولة، غالبا ما يحيل على صورة نمطية عن هؤلاء الشباب. لذلك فهنالك من المهتمين من يرى ان مفهوم “الجيل” وهو مرادف ل”فئة المواليد” يشير الى ان الأفراد الذين ينتمون لنفس الجيل لا يشتركون في أي خصائص عدا كونهم ولدوا بالفترة الزمنية ذاتها.
إلى جانب هذا المصطلح هنالك ما يطلق عليه “الجيل التاريخي” ويقصد به المجموعة البشرية التي تتقاسم نفس الاهتمامات وتشترك في وعي جمعي نابع عن كون افرادها يتواجدون بموقع واحد في مسار تاريخي. اما من النحية السوسيولوجية فيطلق مفهوم “جيل” على مجموعة من الأشخاص الذين يتقاسمون نفس العمر وعاشوا نفس التجارب واحداث تاريخية، فترتبت عن تلك التجارب تقارب في النظرة للعالم وفي نمط التفكير. هكذا اجمع باحثون ان جيل زيد يتميز بكونه عاش نفس الاحداث التاريخية ومنها الازمات المؤلمة المتتالية التي واجهت النظام الرأسمالي المعولم. فقد عايش ظهور واستعمال الانترنيت وكذا أزمات عدة، الاقتصادية منها والبيئية والطاقية والاجتماعية التي هزت المنظومة الرأسمالية. وترتب عن تطور وتوحش هذه المنظومة ارتكاب جرائم ابادة جماعية وجرائم حرب كما خلفت كوارث بيئية واجتماعية، منها تعمق الفوارق الاجتماعية وتزايد في نسبة الفقر والهشاشة وارتفاع في صفوف البطالة كما كانت وراء صعود اليمين المتفاشي واكتساح التفاهة واشعال الحروب المدمرة عبر كل القارات.
لا يبدو ان كل الباحثين متفقون على الأفكار المقدم أعلاه. فالجميع لا يسلم بان تقاسم نفس العمر او معايشة الاحداث التاريخية ذاتها كفيل بان يولد نمطا فكريا واحدا ونفس الرؤية للعالم وسمات مشتركة. بل ان الأصل والواقع الاجتماعين والمستوى التعليمي والوعي وكذلك النوع، عوامل تساهم في ظهور مجموعات متباينة في أوساط الشباب. ومهما يكن الامر فالموجات الشبابية الغاضبة المشكلة “لجيل زيد” اكتسحت الشارع العام وكان لذلك تأثير شبيه بتدحرج كرة الثلج على المستوى العالمي. وقد ساهم في رسم هذه الصورة وعزز الشعور بها تقارب فترات التحركات الاحتجاجية والاعتماد المشترك على شبكات التواصل الاجتماعي واستخدام رموز متشابهة تمت للثقافة الشعبية، بغرض التعبير عن المطالب. وبالرغم من ذلك، فلا يمكن الجزم بان “جيل زيد” يشكل كتلة متجانسة. لقد انطلقت احتجاجات شباب “زيد” بشكل سريع ومتتالي لوجود أسباب موضوعية أدت لذلك، ورغم ذلك تظل هنالك دوما خصوصيات محلية، فالحكومات القائمة تختلف من بلد لأخر، وكذلك الشباب أنفسهم فهم لا يتحملون المظالم ذاتها بالطريقة نفسها، فضلا على ان “العامل الأول المفجر” للانتفاضة الشبابية يلعب دورا حاسما خاصة عند الانطلاقة.
بالمغرب كانت الشرارة التي أطلقت حراك “جيل زيد 212” منتصف سبتمبر 2025، هي موت ثمانية نساء جئن للولادة بمستشفى الحسن الثاني بأكادير، فلفظن انفاسهن اثناء إجراء عمليات قيصرية. إثر ذلك وجه الشباب أصابع الاتهام الى الاستثمارات الضخمة في ملاعب كبرى تعتزم الدولة بنائها في إطار الاستعداد لاستقبال كأس العالم لسنة 2030، وذلك في وقت يعاني فيه قطاع الصحة، من بين قطاعات أخرى حيوية، من اختلالات واضحة.
بدأ الحراك بالمغرب يوم 27 شتنبر 2025، غير ان تشكله التنظيمي تم بداية عبر “ديسكورد” (Discord)، وهي منصة وظفها الشباب بغرض التنسيق، لتحديد مواقع الاحتجاج، ولمناقشة المطالب ودعوة شخصيات معروفة بنشاطها او بخبراتها لإعطاء توضيحات في مجال معين. وتعزى نشأة الحراك الى أسباب ترتبط في آن واحد بعوامل بنيوية وأخرى ظرفية مرتبطة بالسياق، وقد لخصها الشباب في شعار: “بركا من الملاعب، زدنا فالصبيطارات”. ومعلوم ان الحركة الاحتجاجية ل”جيل زيد 212″ انطلقت من مستشفى الحسن الثاني بأكادير وكانت قد عبئت جماهير شبابية غفير لم تبارح الشارع منذ حراك الريف لعامي 2016/2017. ووضع المستشفيات بالمغرب معروفة جيدا لدى المغاربة، فهذه المؤسسات العمومية تشكو النقص في كل شيء، في الأطر والتجهيزات وتعاني من اختلالات عدة كما ان ولوجها يعيشها السكان كتجربة مؤلمة وصادمة.
في الوقت الذي يعاني فيه قطاع الصحة العمومية من نقص حاد في الإمكانيات ومن الأطر، تواصل النيوليبرالية مفعولها من خلال تعزيز نمو قطاع الصحة الخاص الذي تتسم تكاليفه بارتفاع مهول. وهذه الدينامية التي أدت لتخريب المستشفى العمومي وعززت القطاع الصحي الخاص أدت الى تفاقم الفوارق الطبقية والتفاوتات في الحصول على الرعاية الصحية، اذ تم استبعاد الفئات الأكثر هشاشة والطبقات الشعبية من هذا النظام نظرا لتكاليفه الباهظة، وقد تضطر في الحالات القصوى للاقتراض او لبيع ممتلكاتها بغرض تغطية نفقات الاستفادة من خدمات القطاع الخاص.
بالعودة لحركة “جيل زيد 212” هنالك ظاهرتين وجب التوقف عندها. الأولى تتمثل في إصرار البعض من داخل الحراك للإشارة الى ان مطالبهم لا تندرج ضمن خانة اليسار ولا خانة اليمين، بمعنى آخر انهم “لا يمارسون السياسة”، وذلك بهدف النأي بأنفسهم عن التنظيمات السياسية. اما الظاهرة الثانية فهي متعلقة بصيرورة وتطور الحراك، بحيث في منتصف الأسبوع الأول من الاحتجاجات، دعا المتظاهرون الى استقالة الحكومة، بالرغم من ان هذا المطلب لم يكن مدرجا من بين المطالب منذ البداية. ويعزى هذا التحول الى غياب استجابة علنية وسريعة من جانب الحكومة، في وقت كان فيه آلاف الشباب يتواجدون في الشارع، بالإضافة الى القمع الذي تواجه به الاحتجاجات، والذي اعتبر خرقا لممارسة حق التظاهر السلمي. في هذا السياق لابد من الإشارة الى ان بداية أكتوبر2025 قد شهدت شوارع المغرب نوبات عنف شديدة حيث سجلت اعمال شغب وتخريب وأسفر ذلك عن استشهاد ثلاثة شبان نتيجة الرصاص الذي أطلقه الدرك على المحتجين بمدينة القليعة بإقليم اكادير. لكن من المؤكد انه لا القمع ولا الاعتقالات والمحاكمات الصورية قادرة على اخماد غضب الشباب مادامت الأسباب التي كانت ورائه لا تزال قائمة.
وجب التذكير في الختام، ان المغرب عرف خلال العقدين الأخيرين محطتين في مسار الحراك الاحتجاجي أسهمتا في إعادة تشكيل النقاش السياسي والاجتماعي، وعبّرتا عن تحولات عميقة في علاقة الشباب بالشأن العام وبمؤسسات الدولة. المحطة الأولى هي حركة 20 فبراير، التي طالبت بإصلاحات سياسية ودستورية، وتعزيز الديمقراطية، ومحاربة الفساد، وترسيخ العدالة الاجتماعية. المحطة الثانية تمثلت في حراك الريف سنة 2016، الذي كان له ارتباط جغرافي بمنطقة الريف، وبمطالبه الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية، المتمحورة حول التنمية المحلية وتحسين الخدمات العمومية، وضمان الكرامة والعدالة المجالية.
في هذا السياق، يدخل حراك “جيل زيد 212” باعتباره امتدادا لهذا المسار الاحتجاجي. فهو يندرج ضمن تقليد احتجاجي يتغذى من الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المأزومة القائمة ومن تراكم التجارب السابقة، ومن تنامي الوعي والمطالب المرتبطة بالعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، وتحسين الأوضاع المعيشية، وتعزيز المشاركة السياسية. غير أن هذا الامتداد لا يعني بالضرورة تكرار الأشكال التنظيمية أو الخطابات أو أساليب التعبئة التي ميزت الحركات السابقة. فيبدو أن لكل تجربة سياقها الخاص، وخصائصها التنظيمية، وطريقتها في التعبير عن التطلعات الاجتماعية والسياسية.