الرئيسية » دفاعا عن الدولة العلمانية الاشتراكية.. دفاعا عن حرية التدين من الاستغلال الطبقي
دفاعا عن الدولة العلمانية الاشتراكية.. دفاعا عن حرية التدين من الاستغلال الطبقي
الدولة العلمانية وفق المرجعية التي يتبناها النهج الديمقراطي العمالي كحزب ماركسي لينيني، تعني بالأساس الضمان الكلي لكافة حقوق المواطن وفي صلبها حرية الاعتقاد والتدين
يعد تشويه المنظور الماركسي للدين والدولة العلمانية، من أبرز الموضوعات التي استُغلت من طرف الأنظمة السياسية الاستبدادية، وأحد أسس الدعاية الرأسمالية الحالية لتشويه الفكر الماركسي واتهامه زورا بالإلحاد أو تبني العقيدة الإلحادية، وأيضا من الحجج الواهية التي تسلحت بها الرجعية المغربية المؤيدة للدكتاتورية المخزنية لتأليب الفئات الشعبية على الحركات التحررية التقدمية.
إن الماركسية اللينينية كمنهجية للتحليل ونظرية للتغيير الثوري وطرحها للدولة الاشتراكية الديمقراطية العلمانية كمرحلة أولى نحو الشيوعية لا تعني معاداة الدين، فالفكر الماركسي هو مَعني أساسا بتفكيك بنيات الاستغلال وتوضيحها على مرأى العالم، وتبيان الكيفية التي يزداد بها الأغنياء غنى عبر علاقات الإنتاج الرأسمالية على حساب تفقير الكادحين وقوة العمل وفائض القيمة المسروق من الطبقة العاملة، وهذه كلها أمور لا دخل للدين فيها.
إن مشكل وهاجس الماركسية اللينينية كفكر تحرري ثوري، هو تبيان الكيفية التي تَستغل بها الأنظمة المستبدة الدين لتأبيد الاستغلال والقمع والاضطهاد، وإعادة أسباب الاضطهاد والتفقير لجذورهما الأصلية والمتمثلة في النظام الطبقي بين الأغنياء والفقراء.
وهنا يأتي الطرح الماركسي للدولة العلمانية اللائكية، فالعلمانية من هذا المنظور ﻻ تعني الإلحاد ولا تعني بناء دولة دون ديانات كما يزعم البعض عن قصد، وإنما تأتي أساسا لحماية الدين كشأن خاص مُقدس في علاقة ثنائية محضة بين الإنسان وخالقه، وهذا يؤدي لعدم إخضاع الشؤون الدينية للمواطن لأهواء السلطة السياسية وتفسيرها بناء على المصالح الضيقة، وأيضا عدم تسيير السلطة السياسية بما هي شأن دنيوي يومي يهم الشأن العام بناء على معتقدات دينية مُقدسة يستحيل نقدها رغم طبقيتها واستبدادها.
فالدولة العلمانية وفق هذا الطرح والتي تُترجم لفصل الدين عن مؤسسات الدولة وعن السياسة وليس فصل الدين عن المواطن، تعني ببساطة نزع ورقة الدين من الطبقات المستغلة وإعادتها للفرد، وهو ما يؤدي إلى عدم تقديس السياسات النيوليبرالية المُكرسة للاضطهاد الطبقي، وتصبح السلطة السياسية وفق هذا الطرح تستمد شرعيتها حصرا من الأرض عبر الانتخابات وصناديق الاقتراع (على أن تكون انتخابات حقيقية تخول ممارسة السلطة فعليا ﻻ شكليا)، ﻻ من السماء، وذلك ما يعني الحق في تغيير هذه السلطة إذا رأى الناس ذلك في مصلحتهم دون اعتبارات لأحكام سماوية مطلقة تُلحق السياسي بميدان المقدس التام.
فالعمل السياسي باعتباره صراعا من أجل السلطة وصراعا بين فئات وطبقات اجتماعية مختلفة ومتناقضة المصالح، يجب أن يُنتزع من أية قدسية قد يريد أحد أطراف الصراع ضمها له لتغليب موقعه وفرض هيمنته على باقي الفئات والطبقات الأخرى المتصارعة معه، ما يجعل الصراع السياسي أكثر وضوحا وشفافية.
وبالتالي، فإن الدولة العلمانية وفق المرجعية التي يتبناها النهج الديمقراطي العمالي كحزب ماركسي لينيني، تعني بالأساس الضمان الكلي لكافة حقوق المواطن وفي صلبها حرية الاعتقاد والتدين، وحماية هذه الحرية من أي تعسف أو منع أو استغلال لتبرير مشروع سياسي استبدادي.
فالدولة العلمانية بالمغرب، لن تؤدي لحظر ممارسة الشعائر الدينية إنما إلى توفير الفضاءات المُثلى لممارسة المواطنين لشعائرهم وهذا واجب عليها، ولن تقوم (كما يروج النظام المخزني والرجعية) بإلغاء الدين كمكون أساسي تبلور لقرون من الزمن في هوية الشعب المغربي إلى جانب مكونات أخرى كالبعد العربي والأمازيغي الإفريقي، وإنما تعني أخيرا عدم تشريع قوانين استبدادية تكرس التخلف والتفقير والاضطهاد والخضوع باسم الدين وما هو مقدس.
ولا يغني هذا عن تسليط الضوء على بعض التجارب الفاشلة في إطار حقبة الاتحاد السوفياتي، وهي تجارب بيروقراطية شوهت المنظور الماركسي للدين وجعلته مرادفا للإلحاد كما شوهت مفهوم الدولة العلمانية لما رادفت هذا المفهوم بمحاربة الديانات لا محاربة استغلالها من قبل الطبقات الاقتصادية الاجتماعية المتصارعة، حيث أن محاولات استئصال الدين وترسيم الإلحاد ودسترته في بعض تجارب الاشتراكية البيروقراطية السابقة كان خطأ فادحا ساهم إلى جانب أخطاء أخرى كبرى في إقبار تلك التجربة.