حمزة شافعي
تعتبر حرية والتعبير والصحافة من الركائز الأساسية للديمقراطية وحقوق الإنسان، حيث تساهم في تعزيز الشفافية والمساءلة. ومع ذلك، فإن الواقع في بلدنا العزيز يبدو مغايرًا، إذ شهدت هذه الحرية تضييقًا خطيرا في السنوات الأخيرة، مما أثر على المشهد الإعلامي وحرية التعبير الصحفي بشكل عام، وبالتالي انعكس سلبًا على الديمقراطية.
منذ الاستقلال عام 1956، عانت الصحافة المغربية من قيود متعددة، حيث تبنّت الحكومات المتعاقبة سياسات صارمة للرقابة على وسائل الإعلام، مما أدى إلى قمع الأصوات المعارضة. ومع ذلك، شهدت تسعينيات القرن الماضي بعض التحولات في هذا المجال، حيث أُدخلت إصلاحات سمحت بهامش من الحرية للصحافيين. لكن، كما أشرنا سابقا، فإن الواقع في هذا البلد العزيز يبدو مقلوبا، إذ تتقدم الشعوب في مختلف المجالات، وعلى رأسها الحرية والديمقراطية، في حين أن الصحافة في المغرب لا تزال تواجه تحديات جسيمة. فبدون حرية، لا يكون للحياة طعم، إذ إن جوهر العمل الصحافي هو حرية التعبير والرأي.
ماذا عن القانون؟
يتضمن الدستور المغربي لعام 2011 مجموعة من الضمانات المتعلقة بحرية التعبير، وتنص المادة 25 على أن “لكل شخص الحق في حرية الفكر والرأي والتعبير”، مما يشير إلى التزام الدولة بحماية هذا الحق. ومع ذلك، لا تزال هناك قوانين تستخدم لقمع حرية الصحافة، مثل قانون الصحافة والنشر، الذي يتضمن عقوبات صارمة على ما يُعتبر “إساءة” للملك أو للمؤسسات.
بناء على ذلك، نجد أن الدستور يكفل نظريا حرية التعبير، لكن الواقع يظهر أن قانون الصحافة والنشر يستخدم في كثير من الأحيان كأداة تقييدية بدلا من أن يكون وسيلة لتنظيم المهنة وضمان حرية الصحافة. والأمر الأكثر خطورة يتمثل في توظيف القانون الجنائي لمحاكمة الصحافيين، كما حدث مع سليمان الريسوني، وعمر الراضي، وتوفيق بوعشرين، فضلا عن المتابعات القضائية الحالية ضد الصحافي حميد المهداوي والصحافية لبنى فلاح، حيث يتهمون بتهم كيدية ملفقة، بعيدة كل البعد عن قانون الصحافة والنشر، كما يتم التدخل في الحياة الشخصية للصحافيين والنشطاء، وتلفيق تهم ذات طابع جنائي، إلى جانب الخضوع للمراقبة والتجسس، في ممارسات تفتقر إلى أي أخلاق مهنية أو قانونية.
معيقات حرية الصحافة في المغرب
تواجه حرية الصحافة في المغرب معيقات عديدة، من بينها المراقبة والضغط، حيث لا تزال ممارسات الرقابة مستمرة، سواء بشكل رسمي عبر القوانين، أو من خلال الضغط الاجتماعي والسياسي. فالصحافيون الذين يسعون إلى كشف الفساد أو انتقاد السياسات الحكومية يجدون أنفسهم في مواجهة اعتقالات أو مضايقات مستمرة. وتظل قضايا الصحافيين المعتقلين سابقا، مثل عمر الراضي وسليمان الريسوني وحميد المهداوي، مثالا صارخا على القمع الذي تتعرض له حرية التعبير في البلاد.
في ظل هذا الواقع، شكّل الإنترنت لفترة زمنية معينة ملاذا للتعبير بحرية، حيث وفر الفضاء الرقمي منصات جديدة لنشر الآراء بحرية. إلا أن هذه المساحة لم تسلم بدورها من محاولات التضييق والرقابة، حيث تستخدم قوانين مكافحة الإرهاب والجرائم الإلكترونية للحد من حرية التعبير على الإنترنت، ولعل المحاكمات الأخيرة خير دليل للقمع الشديد التي تتعرض له حرية التعبير، بحيث تم الحكم على مجموعة من الناشطين على إثر تدوينات في منصات التواصل الاجتماعي، مما يطرح التساؤل للدولة إلى أي مدى تريد إسكات الأصوات الحرة؟ وهل في نظرها ستتفوق بهذا الأسلوب للسيطرة على الصحافة والإعلام؟ وهل يمكنها دفن أي صوت حر بهذه الطريقة؟
ما العمل؟
على الرغم من هذا الواقع المزري، هناك بعض المؤشرات الإيجابية التي تدل على تطور العمل الصحافي في المغرب، ومنها تزايد عدد وسائل الإعلام المستقلة، وارتفاع مستوى الوعي العام بحقوق الإنسان وحرية التعبير، كما يلعب المجتمع المدني دورا هاما في الضغط من أجل تحسين أوضاع حرية الصحافة، من خلال تنظيم حملات ودعوات للمساءلة.
في هذا السياق، يتحتم على الصحافيين بناء أدوات نضالية لمواجهة القمع والتسلط الذي يشكل تهديدا وجوديا في بعض الأحيان، وإذا كانت النقابة المغربية للصحافة والإعلام لا تقوم بدورها في الدفاع عن الصحافيين الذين يتعرضون للتضييق والمحاكمات الصورية، فإنها لا تمثل خط الاستقلالية المهنية. لذا، على الصحافة الحرة والمستقلة أن تسعى إلى بناء نقابة مستقلة، تكون أداة للدفاع عن حقوقها المشروعة، وتسهم في تعبئة الوعي المجتمعي عبر منصاتها الإعلامية.
في الختام، تبقى حرية الصحافة والتعبير في المغرب قضية معقدة تتطلب جهودا مستمرة من جميع الأطراف المعنية. إن تعزيز هذه الحرية ليس مسؤولية الحكومة فحسب، بل هو أيضا واجب المجتمع المدني والصحافيين أنفسهم، فإيجاد بيئة صحفية حرة ومستقلة سيساهم في تعزيز الديمقراطية، وبناء مجتمع أكثر عدالة وانفتاحا.