الرئيسية » الشباب المغربي بين المقاطعة الانتخابية والمشاركة السياسية

الشباب المغربي بين المقاطعة الانتخابية والمشاركة السياسية

لقد بلور الشباب المغربي من خلال التجربة المباشرة ومتابعة التطورات السياسية التي عرفتها البلاد، قناعة مفادها أن المؤسسات المنتخبة لا تشكل مصدر السلطة الفعلي داخل النظام السياسي.

كتبه User H

بقلم: زهير أسباع

يتجدد مع كل محطة انتخابية النقاش حول علاقة الشباب بالسياسة، وتعود معه التفسيرات الجاهزة التي تعزو ضعف المشاركة الانتخابية إلى غياب الاهتمام بالشأن العام أو بانخفاض مستوى الوعي السياسي. غير أن النظرة المتأنية إلى مسار الحركات الاجتماعية والاحتجاجية التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة تقود إلى استنتاج مختلف إذ تكشف حضورا قويا للشباب في مختلف معارك الدفاع عن الحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية، كما تكشف امتلاكهم تصورا سياسيا تجاه طبيعة السلطة ومواقع القرار وآليات التغيير.
لقد بلور الشباب المغربي من خلال التجربة المباشرة ومتابعة التطورات السياسية التي عرفتها البلاد، قناعة مفادها أن المؤسسات المنتخبة لا تشكل مصدر السلطة الفعلي داخل النظام السياسي. وترتبط هذه القناعة بمسار طويل من الوعود غير المنجزة، وبعجز المجالس المنتخبة والحكومات المتعاقبة عن الاستجابة للمطالب الأساسية للجماهير الشعبية وباستمرار اتخاذ القرارات الكبرى خارج الفضاءات التي يفترض أنها تجسد إرادة المواطنين/ات.
ومن هذا المنطلق، أصبح الموقف من الانتخابات مرتبطا بطبيعة النظرة إلى المؤسسات المنبثقة عنها. فكلما ترسخ الاعتقاد بمحدودية صلاحيات هذه المؤسسات تراجعت الثقة في قدرتها على إحداث التغيير المنشود، واتجه الاهتمام نحو أشكال أخرى من الفعل السياسي أكثر ارتباطا بالمبادرات الشعبية والتنظيم الذاتي والنضال الميداني.
وقد شكلت حركة 20 فبراير إحدى أبرز المحطات التي عبر خلالها الشباب عن هذا الوعي السياسي فمنذ انطلاق الحركة برز النقاش حول طبيعة النظام السياسي وحول الدستور القائم آنذاك، وجرى رفع مطالب ذات مضمون ديمقراطي واضح تدعو إلى إقرار دستور يعبر عن الإرادة الشعبية ويؤسس لتوزيع حقيقي للسلطات. وعندما تم الإعلان عن دستور سنة 2011، اعتبر العديد من نشطاء الحركة أن الأمر يتعلق بدستور ممنوح لم ينبثق عن عملية تأسيسية ديمقراطية، الأمر الذي دفعهم إلى الدعوة لمقاطعته كما امتد هذا الموقف إلى الانتخابات التي أعقبته.
كما يحمل هذا الاختيار دلالة سياسية عميقة لأنه يعكس تقديرا لطبيعة المرحلة ولحدود المؤسسات القائمة، ويعبر عن قراءة سياسية ترى أن التغيير الديمقراطي لا يمكن أن يتحقق عبر آليات فقدت الكثير من مصداقيتها لدى الرأي العام. ولذلك جاءت المقاطعة باعتبارها موقفا سياسيا واعيا، يدخل ضمن أشكال المشاركة في الصراع الدائر حول مستقبل البلاد واتجاه تطورها.
وعادت هذه المسألة إلى الظهور بشكل أوضح خلال حراك الريف فقد أفرزت هذه التجربة جيلا من المناضلين الشباب الذين استطاعوا بلورة ملف مطلبي متكامل وتنظيم أشكال احتجاجية واسعة استقطبت مساندة فئات شعبية كبيرة. وخلال مختلف مراحل الحراك برزت إشكالية الثقة في المؤسسات الرسمية باعتبارها إحدى القضايا المركزية.
فقد ظل نشطاء الحراك ينظرون إلى الحكومة والبرلمان باعتبارهما مؤسستين محدودتي التأثير في القرار السياسي وهو ما انعكس على طبيعة المطالب المرفوعة وعلى أساليب الترافع المعتمدة. وفي أكثر من مناسبة تم التأكيد على ضرورة تدخل الملك لمعالجة الملفات المطروحة، بما يحمله ذلك من دلالة سياسية مرتبطة بتحديد موقع السلطة الفعلية داخل الدولة.
وتكشف هذه الواقعة عن مستوى متقدم من الوعي بطبيعة النظام السياسي وآليات اشتغاله، إذ إن تجاوز المؤسسات التمثيلية والتوجه مباشرة نحو المؤسسة الملكية لا يمكن فصله عن تقييم سياسي يعتبر أن مراكز القرار توجد خارج المؤسسات المنتخبة، وأن هذه الأخيرة لا تتوفر على الإمكانيات اللازمة للاستجابة للمطالب المطروحة أو تنفيذها.
وتتكرر الملامح نفسها في عدد من المبادرات الشبابية الحديثة، ومن بينها تجربة “جيل زيد” التي اختارت رفع مذكرة مطلبية إلى الملك تتضمن مجموعة من المطالب المرتبطة بأوضاع الشباب ومستقبلهم. ويعكس هذا السلوك بدوره تصورا محددا لمواقع اتخاذ القرار، ويعبر عن اقتناع راسخ بأن المؤسسات التمثيلية لا تملك ما يكفي من الصلاحيات للتجاوب مع تلك المطالب أو تحويلها إلى سياسات عمومية ملموسة.
ومن خلال هذه المحطات الثلاث، يتضح أن الشباب المغربي يحضر بقوة في المجال السياسي، سواء عبر الاحتجاج أو التنظيم أو الترافع أو إنتاج الخطاب السياسي. كما يتضح أن ضعف المشاركة الانتخابية يرتبط بأزمة ثقة عميقة في المؤسسات المنتخبة وباقتناع متزايد بأن هذه المؤسسات لا تمثل مركز القرار الفعلي داخل الدولة.
وتبعا لذلك، فإن تفسير الموقف الشبابي انطلاقا من مفهوم العزوف السياسي يظل قاصرا عن الإحاطة بحقيقة الظاهرة. فالمسألة تتعلق بموقف سياسي من طبيعة المؤسسات القائمة ومن حدود أدوارها ووظائفها، وهي قناعة تشكلت عبر تراكم طويل من التجارب والمواجهات الاجتماعية والسياسية، وأفرزت أشكالا جديدة من الممارسة السياسية ترتكز على المبادرة الشعبية والنضال الميداني والضغط الجماهيري باعتبارها أدوات أكثر قدرة على انتزاع الحقوق وفرض المطالب.
إن السياسة في نهاية المطاف لا يمكن حصرها في صناديق الاقتراع ولا في العضوية الحزبية أو التمثيلية البرلمانية فحسب. فهي تشمل مختلف أشكال التدخل في الشأن العام والتأثير في موازين القوى والدفاع عن المصالح الاجتماعية. ومن هذا المنظور يواصل الشباب المغربي ممارسة السياسة يوميا، ويواصل البحث عن السبل الكفيلة بتحقيق التغيير الديمقراطي والعدالة الاجتماعية خارج القنوات التي فقدت قدرتها على الإقناع والتأثير.

قد تعجبك أيضاً