يواصل النظام المخزني شن حملة قمع منهجي ضد الشباب والطلبة المناضلين. هذا هو الجواب الذي يملكه الحكم في مواجهة طموحات أجيال الشباب المغربي التواق إلى الحرية والعيش الكريم. التعبير والفن والإبداع ليست مسموح بها خارج الأسيجة الشائكة التي يريد حرّاس العقول فرضها. رأينا ذلك ولمسناه في اعتقال الفنانين الشباب: “الرائد”، “بوز فلو”، “الحاصل”. الاعتراض والاحتجاج في الشارع من أجل الصحة والتعليم ممنوع. من يحتاج إلى دليل والكل عاش ذلك مع هبة “جيل زد”، حين وجد الشباب أنفسهم في مواجهة مع شبكة صيد عمياء تلقى على كل من ينزل إلى الشارع، والعصي الغليظة، والقمع الشديد ثم السلة الكبيرة من الأحكام القاسية. هذا هو الاستثناء المغربي الذي يحاول النظام تسويقه دون جدوى.
لم تتوقف هذه الحملة الشعواء قط. ها هي المحكمة الابتدائية بالقنيطرة أصدرت حكما يقضي بشهرين حبسا نافذا وغرامة مالية قدرها 500 درهم في حق أربعة من مناضلين في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب على خلفية نشاطهم النضالي في الجامعة.
وفي خطوة تصعيدية خطيرة، أقدمت جامعة ابن طفيل على طرد 21 مناضلا بالاتحاد الوطني لطلبة المغرب، بالموازاة مع المتابعة والأحكام القضائية، في انتهاك صارخ للحق المقدس في التعليم والتنظيم. هكذا تكشف المؤسسة الجامعية في النظام الطبقي عن وجهها العاري كأداة للقمع. مخطئ من يعتقد أن الأمر يقتصر على هؤلاء المناضلين وحدهم، بل هي محاولة لإعادة تحجيم حركة الطلاب، وكيّ أطراف مكون طلابي تقدمي مناضل. إنه استهداف للحركة الطلابية بأكملها، الاتحاد الوطني لطلبة المغرب والتوجه الديمقراطي.
قوبلت الاحتجاجات السلمية لشباب “جيل زد”، بمسلسل الاعتقالات التي بلغت 5780، قدّم منهم 2480 أمام القضاء حسب بلاغ النيابة العامة، ناهيك عن قتل ثلاثة شباب بالرصاص الحي في القليعة؛ ومن الفصول الجديدة لهذا المسلسل القمعي إصدار محكمة الاستئناف بوجدة قرارات قضائية قاسية في حق 25 شابا وعدم مؤاخذة خمسة آخرين. كما توبع الشاب محمد خليف في حالة اعتقال بمدينة الدار البيضاء، إضافة إلى توقيف ومتابعة الناشطة الشابة زينب خروبي (في حالة سراح) مباشرة بعد دخولها المغرب عبر مطار مراكش المنارة. كما تمت متابعة مغني الراب صهيب قبلي، الملقب بـ “الحاصل”، في حالة اعتقال بسبب آرائه السياسية ومناهضته للتطبيع المخزني مع الكيان الصهيوني المجرم، والحكم عليه بثمانية أشهر حبسا نافذا وغرامة مالية، ومتابعة المناضل في حركة المعطلين عن العمل محمد الوسكاري بسبب رفضه لـ “قفة المساعدات الرمضانية” ومطالبته بالشغل القار والكرامة.
ولا يخرج عن هذا السياق مسلسل الحصار والتضييق الدائمين على الحركات والتنظيمات الشبابية، من خلال حرمانها من الحصول على وصولات الإيداع القانونية، كما الحال بالنسبة لشبيبة النهج الديمقراطي العمالي، ومنع الأنشطة النضالية الشبابية والتضييق عليها، سواء في الشارع، أو الحرم الجامعي. إن مجال الحرية الضيق الذي حصنه شعبنا بتضحياته، بات مهدّدا أكثر من أي وقت مضى.
يشن المخزن حربه الطبقية ضد الشباب الكادح من خلال تمرير قوانين رجعية وتراجعية في مجالات شتّى. مخطط تسليع التعليم، ماض ويتمدد بعد المصادقة على قانون التعليم العالي وقانون التعليم المدرسي للإجهاز على المدرسة العمومية، وتكريس المنطق النيوليبرالي، الذي حول المؤسسة التعليمية إلى “مقاولة” والمدرّس إلى “مستخدم”، والمتعلم إلى “زبون” والتعليم إلى “بضاعة”، ويهدف لاغتيال الفكر النقدي لدى الناشئة. إضافة إلى إقرار قوانين مكبلة للحرية مثل المسطرة الجنائية الجديدة، والشروع في مراجعة قانون الصحافة والنشر، وتمرير قانون المالية الطبقي لسنة 2026، كلها نصوص تشريعية ترمي إلى تعزيز القبضة الاستبدادية وتأبيد الفوارق الطبقية عبر الخوصصة والتقشف.
الشباب هو من يدفع التكلفة الأكبر للاختيارات والطبيعة السياسية للنظام، فالنيوليبرالية المتوحشة، و الفساد والريع، والتبعية والاستبداد، ترمي بالأجيال الجديدة يوما بعد يوم نحو جحيم البطالة والهدر والسجون والمخدرات وركوب قوارب الموت بحثا عن مستقبل مختلف. هذا الوضع ليس قدرا. إن النظام المخزني هو المسؤول.
يأتي تصاعد وتيرة القمع وكل أشكال المنع والاعتقال، بينما يستفيد المخزن من المناخ الدولي، حيث يتوجه النظام الرأسمالي نحو المزيد من التوحش، وصعود اليمين الفاشي، وانغماس الإمبريالية الصهيوأمريكية في الحروب الهمجية وانتهاك حقوق الإنسان والقانون الدولي. يعتقد النظام أن اصطفافه في محور التطبيع يمنحه الحصانة، لكن الواقع وإرادة الشعب المغربي سيفندان ذلك.
لا تجد العربدة المخزنية تفسيرها في المعطى الخارجي فقط، بل تتغذى أساسا من اختلال موازين القوى الداخلية لصالحه، فرغم تعدد النضالات الشبيبية والشعبية وجسامة التضحيات (حراك الريف – جيل زد – الشباب المدونين والصحفيين – نضالات الحركة الطلابية و الشبيبات المناضلة والشغيلة التعليمية والعمالية …)، إلا أنها لم تستطع فرض مطالبها وانتزاع حقوقها، وذلك نتيجة القمع من جهة، وبسبب تجزّء نضالاتها وغياب التنظيم والبرنامج النضالي الوحدوي من جهة ثانية، الأمر الذي يسهل على النظام واد هذه النضالات، سواء من خلال سياسات الاحتواء، أو عبر الانفراد بكل فئة وعزلها عن النضال العام من أجل قمعها ومحاصرتها.
إن حالة اللاتنظيم التي تعيشها النضالات الشبيبة المغربية، وتأثرها بنزعات معاداة التنظّم والتقليل من شأن التنظيمات المناضلة، يوقعها في فخ العفوية ثم الهامشية، مما يجعلها غير قادرة على الاستمرار في مقاومة السياسات المخزنية الطبقية، حيث سرعان ما يتم إخماد هذه الموجات ويتراجع تدريجيا مدى تأثيرها في الشباب والنضال العام، ويتعمق ذلك نتيجة غياب برنامج نضالي ومطلبي عام للحركة الشبيبة المغربية مما يعمق ضبابية الرؤية وغياب البوصلة في كثير من الأحيان، حيث يتم تضخيم التناقضات الثانوية وسط الشعب في أوقات حساسة لإلهاء الشباب عن التناقض الرئيسي.
لهذه الأسباب مجتمعة، نرى في شبيبة النهج الديمقراطي العمالي، أن حجم التحديات وواقع قمع الحقوق والحريات، يفرض علينا جميعا كشباب مغربي غيور على مصلحة ومستقبل البلاد، ضرورة تكريس التضامن والنضال الوحدوي، والتصدي الواعي والمنظم للمخططات المخزنية؛ انطلاقا من ضرورة بناء وإعادة بناء أدوات النضال الذاتي الشبيبي، كما أن السنوات الطوال التي يقضيها الشباب في سجون الذل والعار ينبغي أن تحفزنا على ضرورة توحيد النضالات الشبابية، وفتح نقاش شبابي عمومي بدون خطوط حمراء أو شروط مسبقة يروم صهر نضالات مختلف الفئات الشبيبية في نضال عام وعارم، ودمج مطالب مختلف فئاته في أرضية وحدوية للنضال المشترك تؤطرها جبهة شبابية واسعة للنضال ضد المخزن ومن أجل مغرب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والمساواة الفعلية.
معا نناضل وننتصر…