الرئيسية / • وجهة نظر / أقلام وآراء الشبيبة / دور اليسار في صناعة إعلام بديل

دور اليسار في صناعة إعلام بديل

آدم الروبي

في بداية القرن العشرين مع انتقال المجتمع الرأسمالي لمرحلة متطورة، أصبح يتم تحويل افراد هذا المجتمع من مشاركين في الحياة المدنية والسياسية والثقافية وفي المناقشات والسجالات الفكرية اي بكلمة واحدة في المجتمع المدني لهاته المجتمعات، إلى مستهلكين لمحتوى اعلامي مصنع من طرف شركات إعلامية رأسمالية ضخمة اصبحت شيئا فشيء عملاقة ومحتكرة للمعلومة.

هذه الصناعة التي كان هدفها الاول تخفيف حدة التناقض بين البنية الاقتصادية الرأسمالية من جهة، وبين ما يسمونه البرجوازيون بـ “الرأي العام” أي بنية هذا المجتمع الثقافية، خاصة وأن عناصر منها كانت ولاتزال تلعب ادوارا فعالة في النضال ضد هاته البنية الاقتصادية،

فالإعلام هو جزء من البناء الفوقي، ومن يملك وسائل الإنتاج المادي القادر على امتلاك وسائل الإنتاج الرمزي وضبطه وتوزيعه ليتم حصر كل الصور والبرامج الإعلامية في نشر مضامين ثقافية تخدم النظام الرأسمالي بتسويق وتأبيد منطق الهيمنة: القوة، الملكية، النجاح، الهيمنة، وجعله سلاحا لإخماذ كل محاولة للتغيير. فالمؤسسات الإعلامية هي جزء من المؤسسات الاجتماعية التي تمثل قيم وأراء النظام الرأسمالي وأداة للتعبير عن آرائه وخدمة مصالح، فتم نشر ثقافة الاستهلاك الشراء واستعمال التكنولوجيا.

وقد تعاظمت هذه السيطرة والقوة والتقدم في عملية الربط بين بنية المجتمع الرأسمالي والبنية الثقافية الرأسمالية، بعد الانتصارات السياسية والعسكرية في منتصف القرن الماضي، وبعد الثورة التكنولوجية التي مدتها بالادوات المعلوماتية، كل هذه جعلها تنجح في خلق رأي عام وهمي، تسيطر فيه بيد من حديد على البنية الثقافية لمجتمعها. أما الأفراد فبعد ان تحولوا من مشاركين بثقافتهم الى مستهلكين، فقد حولتهم مرة اخرى من مستهلكين الى مشاركين في صناعتها الثقافية التي تنتجها هي. باستعمال وسائل وآليات متعددة فتظهر قوة الرأسمال وفرض منطق الربح والتحكم ورهن مصالح المؤسسات الإعلامية بواقع الاستغلال والدفاع عنه بربط وسائل الإعلام بالممولين ورجال الأعمال لتحديد نوع المضامين والبرامج والصور والتقارير تحت يافظة “ماذا نبث ومتى”.

ولعل امام هذا الوضع الاحتكاري للثقافة السائدة يطرح في أذهان الباحثين والناشطين الحقوقيين والسياسيين اليوم في العالم اجمع، عن الكيفية التي يجب التعامل بها في ظل هذه المستجدات، خاصة وأن مجالات مثل الثقافة والاعلام الفن، ظلوا ان لم نقل منسيين فهم ليسوا في الاولوية القصوى لليسار. وذلك يرجغ لاحتكار المجال الاعلامي من طرف الراسمالية خاصة وأن اليسار منذ بدايته وهو يعتمد على وسائل للتواصل يمكن ان نقول عليها بانها سرية، مشفرة، ليست موجهة لجميع الفئات وانما مقتصرة على افراد فقط داخل فئات اجتماعية ما. (عمال صناعيين، فلاحين، طلبة، أساتذة..)، سرعان ما تنحصر حركة ذلك التواصل بغلق تلك القنوات التواصلية من طرف الدولة.

وبالتالي لم يتمكن اليسار من خلق تناقض حقيقي بين البنية الثقافية للمجتمع وبنيته الاقتصادية، الا بطريقة واحدة وهي بالفعل الاحتجاجي (مظاهرات، اعتصامات، اضرابات، عصيان..)، الا ان هذا الفعل الاجتجاجي كذلك سرعان ما ينتهي لانه نبع من ردة فعل شعبية نتيجة الضغط والاستغلال الرأسماليين، وليس مرتبط ببرامج بديلة لهذه البنية.

بالإضافة انتشار الإعلام الرقمي الذي يكون مجال تنافس افراد معظمهم شباب، يبحثون عن ان يكونوا مأثرين عبر جمعهم لاكبر عدد من المتابعين، سواء بشكل عفوي عبر نشر المحتوى الاكثر انتشارا في المجال الرقمي، او عن طريق دراستهم لكيفية التأثير اي كيفية نشر وإعادة نشر وخلق محتوى مماثل للمحتوى السائد، وكلما كانوا مأثرين كلما يتقاضون اجور بهذا القدر او ذاك من طرف مختلف الشركات الرأسمالية مقابل الدعاية، مما يعتبر إذن مخالف للقيم الاشتراكية واليسارية، مقابل تأييدهم للقيم البراغماتية الرأسمالية. مما يجعل هذا الا تكافؤ في موازين القوى بين اليسار واليمين، يرجع كفة اليمين ليصير اكثر تغول وعنصرية و شجع، وهذا ما ساهم في صعود اليمين المتطرف على راس حكومات العديد من البلدان، وانتخاب احمق على رأس حكومة الولايات المتحدة الامريكية. ان هذا ما يدحض الرأي القائل بحياد الاعلام وبان لا علاقة لمنصة مثل انستغرام او تويتر او فايسبوك في ان تكون سببا امام تراجع اليسار في العالم. لقد وضح ذلك كارل ماركس منذ قرن ونصف تقريبا عندما قال في كتابه بؤس الفلسفة “ان الطاحون الهوائي يولد مجتمعا اقطاعيا، والطاحون البخاري يولد مجتمع الرأسمالية الصناعية”، فكيف يمكن لليسار ان يولد مجتمعه الاشتراكي الذي يطمح اليه، وباي وسائل و قنوات تواصلية واعلامية ورقمية. وهل يستطيع اليسار في العالم تغيير هذا الواقع المعطى اليوم؟ وهل هو يدركه اولا؟

في بداية هاته التحولات التي بدأت كما اشرنا لها منذ بداية القرن الماضي حاول العديد من الباحثين الماركسيين تحليل هذا الواقع الاعلامي/الثقافي الجديد، عبر طرحهم لأسئلة محورية تمثلت في: من يراقب الاتصال، لمن يوجه هذا الاتصال، لفائدة من؟ و العديد من تلك الاجابات و الابحاث كانت غنية بالمعلومات التقنية و الفلسفية العلمية، وادراكها و تطبيقها من طرف الاشتراكيين كان فعلا، الا ان ذلك التطبيق يجب ان يطرح كذلك عنه سؤال لفائدة من؟ ونتحدث هنا عن الاتحاد السوفيتي قبل انهياره و كذلك الصين الى يومنا هذا، وهذا لا يعني ان الجواب سيكون سلبيا، الا ان طرح السؤال سيمكننا من فهم مدى بناء الاشتراكيين لاعلام حقيقي ذو تأثير و يمكن ان يرتقي الى اعلام يصارع البنية الثقافية والاعلامية السائدة اليوم.

فنحن بحاجة لإعلام تقدمي يكسر الضبط الحديدي ويتيح آفاقا رحبة وإبداعية، إعلام يستجيب لحاجيات جماهير شعبنا ويحترم ذكائها ويلبي تطلعات الشبيبة، لهذا يجب تطوير الإعلام اليساري بالشكل الذي يمكن مناضليه من المساهمة القوية في خوض الصراع الطبقي السائد عبر كشف كل الأقنعة والخطابات التضليلية والانهزامية التي تستعملها الرأسمالية بنشر صور وبرامج ومواد إعلامية تكشف الواقع كما هو والمساهمة في تقديم ثقافة بمضمون تقدمي بعيدا عن ثقافة الاستهلاك.

إن تحقيق هذه الأهداف يمر عبر تطوير الأدوات الإعلامية للقوى اليسارية عبر العالم تبادل التجارب والخبرات فيما بينها.