الرئيسية / قضايا وطنية / اقتصاد / ما بعد كورونا: الآفاق والمهام

ما بعد كورونا: الآفاق والمهام

معاد الجحري

1- سياسات النظام:

يستعد المغرب للخروج من الحجر الصحي، وفق خطة تكرس نفس السياسات المخزنية المفلسة، القائمة على الخوصصة والتبعية والاحتكار والريع، مع إجراءات ترقيعية ذات طابع إحساني للحد من الفقر. وقد شرعت الباطرونا في تطبيق مخططها للإقلاع الاقتصادي حيث تعمل على انتزاع أكبر قدر من المكتسبات (البطالة الجزئية، تعديل مدونة الشغل في اتجاه إطلاق يد الباطرونا تحت يافطة المرونة، تقليص الضرائب، التهرب من الزيادة في الحد الأدنى للأجور وفق نتائج الحوار الاجتماعي،…).

وقد استغل النظام هذه الفترة لتكريس الاستبداد وتمكن من اكتساح مساحات واسعة للحريات وأجهز عليها ما دفع الأمم المتحدة إلى تصنيف المغرب على رأس البلدان التي استغلت حالة الطوارئ لقمع المعارضة. وتم ذلك على وجه الخصوص ب:

– القمع والحصار على القوى والأصوات المناضلة والمخالفة وانتهاك سافر للحريات وإبراز هبة الدولة بتعنيف المخالفين لإجراءات الحجر الصحي وإتلاف ممتلكاتهم واعتقال الآلاف منهم.

– تجاهل مطالب الحركة الديمقراطية بإطلاق سراح معتقلي حراك الريف وكافة المعتقلين السياسيين والإفراج عن أكبر عدد ممكن من سجناء الحق العام وفق معايير محددة للتخفيف من الاكتظاظ والتقليل من مخاطر انتشار الوباء.

– سن مشاريع قوانين تجهز على حرية التعبير: مشروع القانون 22.20 ومشروع القانون 72.18 بهاجس أمني لضبط أنفاس سائر المواطنين وينتهك بشكل سافر المعطيات الشخصية.

– الزبونية وحضور الهاجس الانتخابي في توزيع الدعم المخصص من طرف صندوق مكافحة الوباء أو قفة الدعم.

– حرمان جزء هام من العمال من الاستفادة من الدعم بسبب عدم التصريح بهم من طرف الباطرونا المجرم، في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

– دعم سخي للمقاولات مقابل دعم هزيل للأسر على افتراض الاستفادة منه.

في الإجمال تمكنت وزارة الداخلية من بسط سيطرة مطلقة على باقي الوزارات وعلى جميع المجالات وتراجع الدور الشكلي أصلا لرئيس الحكومة إلى مستوى غير مسبوق وأصبح مجالا للسخرية. لكن هذه السياسات من ناحية أخرى، عمقت الحقد الطبقي لدى أوسع الجماهير المسحوقة لما عانته ولا زالت من حيف وظلم وإقصاء واستغلال وبطالة واسعة وما عاشته ولا زالت من جحيم اجتماعي في الأحياء الشعبية وفي البادية خاصة مع الجفاف الذي انضاف لجائحة كورونا.

2- حركة النضال الشعبي:

رغم أنف النظام، فان الفترة عرفت:

– نضالات مهمة وفي شروط عسيرة للطبقة العاملة في قطاعات الصناعة والخدمات والزراعة والمناجم لا يسع المجال لذكرها. وذلك من خلال وقفات احتجاجية واعتصامات ومسيرات للمطالبة على العموم بعودة المطرودين وبتأدية الأجور وبالتصريح في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والاستفادة من دعم الصندوق المخصص لجائحة كورونا.

– احتجاجات كادحي الأحياء الشعبية والقرى في الغالب ضد الحرمان من الاستفادة من الدعم بمختلف أشكاله والزبونية في توزيعه.

– احتجاجات سكان المناطق المهمشة من أجل الماء الشروب وفك العزلة عنهم وتحسين أوضاعهم الاجتماعية (دواوير أيت عمر بإقليم ميدلت نموذجا)، وضد السطو على أراضيهم (قبيلة أيت موسى بالجنوب الشرقي والقبائل المتضامنة معها نموذجا). وللتوضيح فان هذه الاحتجاجات ليست صراعا بين القبائل كما يروج المغرضون لذلك، بل هي تعبير عن نضال طبقي بين الفلاحين الكادحين أصحاب الأرض من جهة والرأسماليين المفترسين والمخزن الذي يدعمهم عن طريق إصدار القوانين والقمع المباشر بمختلف أشكاله من جهة أخرى.

– احتجاجات فئات واسعة ضد جشع قطاع التعليم الخصوصي، وعزمها العودة إلى التعليم العمومي، فيما يتمسك أرباب مؤسسات التعليم الخصوصي بضرورة تأدية الأسر لمستحقات فترة الحجر ويهددون برفض تسليم شهادة المغادرة للتلاميذ المعنيين بل ومنعهم من اجتياز الامتحان الوطني.

–  حملة قوية في وسائل التواصل الاجتماعي حققت انتصارا جزئيا بفرض تأجيل البت في مشروع القانون 20.22 المكمم للأفواه.

– بروز مظاهر تضامن متفاوتة ولكن لا يستهان بها بين عموم الجماهير الشعبية.   

3- قوى المعارضة:

لعب اليسار الماركسي عموما والنهج الديمقراطي بشكل خاص دورا هاما في التشهير بالرأسمالية والامبريالية وبسياسات النظام في الداخل والخارج وفي التعريف بالنضالات العمالية والشعبية وتأطيرها عن بعد، لكن اليسار الماركسي مع الأسف لازال يعرف التشردم رغم محاولات توحيده. أما اليسار الديمقراطي فتخترقه تناقضات بين اتجاه مناضل وآخر ينزع نحو المهادنة والاصطفاف وراء الدولة وإحداث إجماع حولها بدعوى التفرغ لمحاربة الجائحة كما يعاني من رهان مفرط على الانتخابات لتحقيق مشروعه.

ولم تململ هذه الأوضاع المأساوية التوجه المتنفذ في الحركة النقابية، لكن النقابات المناضلة والحركة الحقوقية وعلى رأسها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان لعبت أدوارا مشهودة في الصراع الاجتماعي رغم الهجوم عليها ورغم تلغيم الحركة الحقوقية من الداخل بعناصر مرتدة عن قيم اليسار المناضل تعمل على نسفها وطي صفحة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

أما جماعة العدل والإحسان، فقد انغمست بشكل شبه كامل في العمل الدعوي وهاجرت إلى سماوات الغيب، انسجاما مع تصريح أمينها العام بأن فيروس كورونا جند من جنود الله يسخرها لتأديب الإنسان. والحق، لا نرى الجماعة تبذل مجهودا حقيقيا لفرض مشاركتها في المبادرات التي يطلقها اليسار والقوى الديمقراطية، بغض النظر عن الإقصاء التي تتعرض له وهو أمر نرفضه.

4- الآفاق:

إن أزمة النظام مرشحة موضوعيا للمزيد من التفاقم خاصة وأن شركاؤه وعلى رأسهم الامبريالية الفرنسية يعانون بدورهم من آثار الأزمة الاقتصادية لسنة 2007  فاقمتها جائحة كورونا. موضوعيا ستتسارع وتيرة الصراع الطبقي وستزداد حدته بل قد تنفجر الأوضاع في شكل موجة ثورية جديدة على غرار حركة 20 فبراير، خاصة وان الأجواء العالمية نفسها مواتية ومشجعة على خوض النضال والتضحية:

– انفضاح الوجه القبيح للرأسمالية بسبب ضرب المرافق العمومية وعلى رأسها الصحة وغياب التضامن واعتماد شعار مناعة القطيع في البلدان التي يقودها اليمين/اليمين المتطرف (بريطانيا، البرازيل، أمريكا…)  

– النضالات الشعبية الهائلة ضد العنصرية  في أمريكا وأوروبا وكندا وتفكيك وإسقاط تماثيل رموز العنصرية الذين اغتنوا من تجارة العبيد ومن الاستعمار ونهب خيرات الشعوب المضطهدة. وهي مؤشر على وعي جديد ضد الامبريالية في بلدان المركز الامبريالي نفسه.

– استئناف الانتفاضة الشعبية في لبنان وبوادر ذلك في السودان وغيرها.

– ومن العوامل المساعدة أن فترة الحجر الصحي دربت عددا هائلا من المناضلين/ات والنشطاء على تقنيات الاجتماع عن بعد وما لها من منافع على توسيع دائرة التواصل وضرب طوق الاستبداد.

5- المهام:

– المثابرة ومضاعفة الجهود فيما يتعلق ببناء حزب عمالي ثوري متماسك ذو نفوذ جماهيري يستند للجوهر الحي للماركسية.

– رفع راية الاشتراكية عاليا، كضرورة للخروج بالبشرية من مأزق البربرية الحالي إلى رحابة حضارة جديدة على أنقاضها.

– النضال من أجل ضم القطاع الخاص في مجالي التعليم والصحة للقطاع العمومي ومن أجل تأميم المنشآت والقطاعات الإستراتجية والقيام بإصلاح زراعي جذري.

– الوحدة في النضال والاستمرار في الهجوم الوحدوي: تمتين الجبهة الاجتماعية المغربية وتفعيل فروعها المحلية وتوسيعها لتضم كل المكونات المستعدة والمتفقة على وثائقها بغض النظر عن مرجعياتها الإيديولوجية والإسراع إلى فتح حوار عمومي بين كل قوى المعارضة الديمقراطية والإسلامية قصد بلورة برنامج للنضال المشترك يروم التخلص من المخزن.

– طرح قضية التشغيل بقوة وإطلاق مبادرة نضالية وحدوية بشأنها.

– توسيع العمل النقابي والربط بينه وبين الحركات الاحتجاجية للكادحين وحركة المعطلين والعمل الحقوقي ونقل نشاط المنظمات الجماهيرية للأحياء الشعبية.  

سلا في 20 يونيو 2020