الرئيسية / • وجهة نظر / أقلام وآراء الشبيبة / الهجرة تجل من تجليات التبعية

الهجرة تجل من تجليات التبعية

أيوب حبراوي

تعتبر الهجرة أحد أهم الحقوق التي تم قمعها منذ ظهور الرأسمالية، ثم استمرت حتى خلال المرحلة الإمبريالية وتطور جهاز الدولة، حيث تم تقسيم العالم إلى دول المركز ودول تبعية لا يملك شعبها -خصوصا أبناء الطبقات الكادحة- نفس حقوق شعوب دول المركز، خاصة في التنقل والهجرة إلى بلد آخر. بحيث أعطت الدول الرأسمالية الكبرى الحق لشعبها في التنقل لأي بلد آخر بدون أي صعوبات، وفرضت في المقابل قوانين وشروط تجعل من هجرة أبناء الطبقات الفقيرة في الدول التابعة مهمة شبه مستحيلة، ما يدفع هؤلاء إلى الهجرة السرية والمخاطرة بحياتهم لكي يستطيعوا الهجرة. إذن، ما هي الأسباب الأساسية للهجرة السرية؟ وما دور القوى الشبيبية اليسارية بالمنطقة من أجل حماية المهاجرين من بطش الدولة والتقليل من الظاهرة؟.

في المغرب مثلا حاول أكثر من 50 ألف شاب/ة سنة 2019 الهجرة إلى أوروبا من شواطئ مدن الشمال، وتم إيقافهم قبل أن يصلوا إلى الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط؛ فيما تجاوزت حالات الهجرة مائة ألف شخص إذا أضفنا لهم الأشخاص الذين تمكنوا من الوصول لأوروبا عن طريق الهجرة السرية خلال هذه السنة. الشباب الذين يحاولون الهجرة من هذه المناطق ينحدرون من كل دول إفريقيا، خصوصا شمال القارة (تونس، الجزائر، مالي … ) بالإضافة إلى شباب من كل مناطق المغرب. وبتونس عرفت سنة 2019 محاولة أكثر من 7500 شخص الهجرة نحو إيطاليا، كما تم إحباط محاولة 4177 شخصا.

 إن هذه الأرقام المخيفة تبين بالملموس رغبة أغلب أبناء الطبقات الكادحة في الهجرة إلى أوروبا، والمغامرة بحياتهم بسبب فشل أنظمتنا التبعية، ففي كل سنة يغرق العديد من المهاجرين في البحر الأبيض المتوسط يحملون جنسيات عربية وإفريقية.

إن تطور الرأسمالية في دول المركز أدى بالضرورة إلى عدم تطورها في دول المحور، ما أنتج أنظمة تابعة اقتصاديا، ما يعني تابعة سياسيا وثقافيا. فبعدما انسحبت الدول الإمبريالية عسكريا من بلدان شمال إفريقيا، عقدت عدة اتفاقات ومواثيق تستطيع بموجبها الاستفادة من ثروات وخيرات هذه البلدان، وكذا إنشاء وحدات صناعية دون دفع ضرائب «المناطق الحرة لتتمكن الشركات الكبرى من استغلال عمال دول المحور أكثر من استغلالها للعامل في المركز. فارتفاع الأجور هناك ملازم بالضرورة لانخفاضها في البلدان التابعة.

“سمير أمين”، أحد المنظرين الماركسيين، يؤكد أن العامل في البلدان المتخلفة يستغل بدرجة أكبر من العامل في الدول المتقدمة، أي إن الفائض الذي يستخرج منه أعلى؛ ويؤدي هذا إلى انتقال جزء من الفائض المنتج في الدول المتخلفة إلى الدول المتقدمة. إن هذه التبعية الاقتصادية تفرض بالضرورة تبعية سياسية للدوائر الإمبريالية التي تفرض سياسات نيولبرالية هادفة إلى خوصصة كل القطاعات الحيوية (تعليم، صحة، الخدمات … )، ما يزيد من اضطهاد الشعوب الفقيرة وتجهيلها وإغلاق كل الأبواب في وجهها والتأثير في نفسية الشباب وفقدان الثقة في قدراتهم الذهنية والشخصية؛ ناهيك عن الاستقرار السياسي الذي تفتقده بلدان شمال إفريقيا (الإرهاب، الحروب).

إن كل هاته العوامل الاقتصادية، السياسية والاجتماعية، تساهم بقوة في تكريس تبعية وتقسيم العالم إلى بلدان المركز المتطورة التي هي بمثابة الجنة في عيون شباب بلدان المحور، هذا ما يدفعهم بالأساس إلى المغامرة بحياتهم في عرض البحر معرضين للغرق أو لرصاص الأجهزة القمعية من أجل الإفلات والوصول إلى أوروبا التي تستقبلهم إما بالعنف أو الاعتقال أو إعادتهم لبلدانهم، ضاربة بذلك كل ادعاءاتها عن الديمقراطية وحقوق الإنسان .

اعتبرت أغلب الشبيبات التقدمية بالمنطقة منذ خروج المُستعمر عسكريا بهذه البلدان التبعية أن الاستقلال كان شكليا فقط، مادامت هناك تبعية اقتصادية وسياسية، أي استمرار الاستعمار غير المباشر واضطهاد الشعوب، ما يفرض بالضرورة وحدة شبيبية تقدمية تناضل من أجل التحرر وفك الارتباط بالامبريالية وبناء نظام ديمقراطي وطني يوفر للشباب تعليما وصحة عموميين وجيدين، وكذا بناء اقتصاد وطني يقلل من نسبة البطالة والفقر.

هاته الجبهة الشبابية المغاربية التقدمية لمناهضة الامبريالية لا يمكن أن تكون قوية دون الانطلاق من النضال وسط الجماهير الكادحة وتجذير وعيها الطبقي ببلداننا، ودعم كل الحركات الاحتجاجية الشبابية والشعبية والمساهمة في تحقيق المطالب وإعطاء الأمل للجماهير، لأن هذه الأخيرة وحدها يمكنها أن تحقق التغيير المنشود؛ بالإضافة إلى النضال من أجل فرض تعامل إنساني من طرف الدولة مع المهاجرين، سواء بالتنسيق مع القوى الشبيبية بأوروبا من أجل حث الدول المُستقبلة للمهاجرين على احترام حقوق الإنسان ومساعدتهم، أو في بلداننا لفرض عدم مقاربة الدولة للظاهرة بالقمع والاعتقال، وتغيير منظومتها الفاشلة التي تتسبب في ارتفاع الظاهرة.

أخيرا إن الرأسمالية نظام يحمل في جعبته الكثير من الأزمات والظواهر غير القابلة للحل، فمقابل الهجرة السرية التي يلجأ لها الشباب غير الواعي، فهناك ظاهرة أخرى وجبت دراستها كذلك ومقاربتها بمنظور ماركسي، وهي هجرة الأدمغة التي أصبحت في ارتفاع كبير بسبب ضعف البحث العلمي وهزالته في بلدان المحور.