الرئيسية / • وجهة نظر / أقلام وآراء الشبيبة / الماركسية والتبعية – يونس سالمي

الماركسية والتبعية – يونس سالمي

يونس سالمي

   تجمع كل الدراسات الحديثة أن الفوراق الطبقية سواء على المستوى العالمي أو الاقليمي أو المحلي تزداد بشكل جلي ، وأن احتكار الثروة يزداد في يد أقلية قليلة سنة بعد اخرى، بالمقابل يتراكم الفقر في الجهة المقابلة سواء تعلق الأمر بالطبقات الاجتماعية أو المناطق الجغرافية ،  وقد اعتبرت بعض هذه الدراسات أن التقهقر لدى فقراء العالم يزداد بشكل سريع جداً يعادل السرعة نفسها التي ترتفع فيها ثروات ​الاغنياء​، والتي تضاعفت منذ العام 2008 تاريخ الازمة المالية العالمية (Oxfam international-2019) ، فقد اصبح 26 شخص في العالم فقط يمتلكون نصف ثروة العالم .

   لكن كل هذه الدراسات تبلع السنتها حين الحديث عن السبب الحقيقي وراء هذه الفوارق المخيفة في الارقام و والثروة، لكن حين تجابه هذه الدراسات بالتحليل الماركسي الذي يعتبر أنه كلما توسعت الرأسمالية، كلما أحتكرت أقلية جدا الثروة وتوسع الفقر أكثر ، كلما رفع في وجهك أن الماركسية تجاوزها التاريخ منذ انهيار جدار برلين وأن مسألة التخلف و التبعية ما هي إلا سياسات محلية فاشلة بسبب ” سوء التدبير و الحكامة ” .

  • نظرة عامة عن التبعية

   لقد تعددت النظريات التي اختصت بمسألة التبعية وكان ابرز روادها المفكرين الاقتصاديين في امريكا اللاتينية الذين ربطوا مسألة تبعية بلدان أمريكا اللاتينية الى المركز الاوروبي بالاستعمار الرأسمالي الذي دمج بعنف القارة الامريكية الجنوبية وجعلها ملحقة لمتطلبات الصناعة الاوروبية منذ القرن 16 ،هذه النظريات التي كانت ترى في العالم عبارة عن قلب رأسمالي تحيط به تخوم تابعة له ومرتبطة به ، نجد كذلك نظرية ” التطور و التبادل اللامتكافئ ” للمفكر الشيوعي سمير أمين التي فسرت مسألة التبعية و الهيمنة بـ” استحالة تحقيق النمو الاقتصادي في بلداننا بإتباع النموذج الرأسمالي الغربي، لأن أي اندماج في هذا النظام الرأسمالي يؤدي إلى تعميق تخلفنا وذلك راجع الى العلاقة الوطيدة بين رأسمالية المركز ورأسمالية الأطراف، و بأن الطبقة الرأسمالية في المركز متمركزة حول الذات، وتستخدم علاقاتها الخارجية لخدمة مصالحها وأوطانها، أما الطبقة الرأسمالية في الأطراف فهي طبقة تابعة وفي خدمة مصالح المركز الرأسمالي” ويقول سمير أمين  أن عقد السبعينات سيعتبر عقد حتمية إتباع الأطراف للنموذج الاشتراكي وتجاوزها للرأسمالية كحل للتخلص من تخلفها.

   نجد كذلك من ابرز المحاولات النظرية التي فسرت مسألة التبعية في البلدان العربية و البلدان التي خضعت للاستعمار الاجنبي تفسيرا علميا نظرية ” نمط الانتاج الكولونيالي (Colonialism )” لدى المفكر الشيوعي اللبناني مهدي عامل التي تعتبر أن ” نمط الإنتاج الكولونيالي كشكل تاريخي مميز من نمط الإنتاج الرأسمالي، ظهر في البلدان العربية كشكل مميّز من الرأسمالية المرتبطة ارتباطاً تبعياً بنيوياً بالإمبريالية ” وقد استند مهدي عامل في تحليله الى العناصر التالية :

  • أن المجتمعات الكولونيالية لم تستند في تحولها الرأسمالي الى طور ثوري تقوده البرجوازية المحلية الصاعدة على انقاض الاقطاع المتهالك ، بل بنيت على أساس اعادة تدوير نفس نمط الانتاج المأزوم المستند الى الاقطاع بملامح مشوهة للرأسمالية في ارتباط وطيد مع الرأسمالية العالمية التي كانت تعيش مرحلة أزمة في مرحلتها الامبريالية .

  • بالاستناد الى التحليل اعلاه ينتج هذا النمط المأزوم اصطفافا طبقيا تتعايش فيه المتناقضات يميزها عجز البرجوازيات الوطنية عن القيام بدورها التاريخي في تحقيق المهام الديمقراطية والوطنية، مما يستدعي تحقيق هذه المهام من لدن الطبقة العاملة المتحالفة مع سائر الفئات المضطهدة ضد البرجوازية الامبريالية و الكولونيالية في آن واحد من أجل القطع مع علاقات التبعية عبر ثورة وطنية تقطع مع الامبريالية وتمهد الطريق نحو الانتقال الى الاشتراكية وديمقراطية تحقق ما عجزت عن تحقيقه البرجوازية المحلية .

   إن تناول الماركسية لمسألة التبعية لا يرمي الى انتاج نظريات توضع جنبا على الرف ولا لإغناء المحافل الثقافية و الادبية ، إن الماركسية هي علم تحرير الطبقة العاملة ولأجل ذلك تتناول المسألة من زاوية طبيعة المهام الملقاة على عاتق الاحزاب الثورية من أجل قيادة الطبقة العاملة وسائر الطبقات الشعبية نحو الديمقراطية و الاشتراكية .

  • عودة الى الامبريالية

   تعتبر الماركسية أن التطورات التي طرأت على الرأسمالية في مرحلتها الانتقالية من المنافسة الحرة نحو الميل الى الاحتكار قد تميزت بثلاث ميزات أساسية شكلت الاسس المادية لبروز الامبريالية كمرحلة متقدمة من الرأسمالية وهي : تركيز الرأسمال ومركزته وميل معدل الربح نحو الانخافض ، وقد خلقت هذه الشروط ( الانتقال من المنافسة الى الاحتكار ) الى تقسيم جديد للعمل على المستوى العالمي بين مراكز الانتاج الضخمة وبين مراكز جلب اليد العاملة والمواد الاولية .

   مع الخصائص التي اضحت عليها الرأسمالية في مطلع القرن العشرين والحاجة الملحة لفهم هذه الخصائص ظهرت نظرية الامبريالية على يد لينين ( تطوير لكتابات سابقة عنه ) لرصد أهم التغييرات و المهام المطروحة على جدول أعمال الثوريين – ات ، لقد رصد لينين أهم خصائص هذا التحول الجذري الذي عرفته الرأسمالية على الشكل التالي :

  • ظهور الاحتكار محل المنافسة

  • اندماج الرأسمال الصناعي و التجاري بالرأسمال المصرفي وبروز الرأسمال المالي

  • تصدير الرأسمال محل البضائع بصفة خاصة

  • ظهور الكارتيلات و التروستات و تقسيم العالم فيما بينها

  • تقسيم العالم بين القوى الامبريالية الكبرى

   لم تكن عملية رصد هذه التطورات عملية أكاديمية وفقط من لدن لينين بل كانت اطار نظري لمهام الطبقة العاملة في تلك اللحظة التاريخية وحشد الهمم لما هو قادم عبر تعبئة الطبقة العاملة لتحويل الحرب الامبريالية بالحرب الاهلية التي كانت تطل برأسها على كل بلدان أوروبا ، إن الامبريالية كما وصفها لينين هي الاحتكار في الاقتصاد و الرجعية على طول الخط .

   لقد شكلت عملية تصدير الرأسمال عوض البضائع نحو مناطق النفوذ الاستعماري لما تعرفه هذه الاخيرة من انخفاض في الاجور واسعار الارض اساسا ماديا لاستحالة بروز برجوازيات محلية قادرة على تحقيق مهام التحرر الوطني و القطع مع تبيعة الرأسمال المحلي ( الهجين ) للدوائر الامبريالية العالمية  وتحقيق الديمقراطية اضافة الى ما خلفه الاستعمار من بنيات  محلية مشوهة أدمجت بالعنف في الرأسمالية ، كل هذه العوامل نقلت مهمة تحقيق التحرر الوطني من يد البرجوازية الى يد الطبقة العاملة وحلفائها التي اصبحت منوط بها بناء الديمقراطية  في شكلها الجديدة ( الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية ) المغايير لما عرفته المجتمعات الاوروبية ، ذات الافق الافق الاشتراكي .

اترك تعليقاً