الرئيسية / قضايا أممية / القضية الفلسطينية / الشبيبة المغربية و القضية الفلسطينية – يونس سالمي

الشبيبة المغربية و القضية الفلسطينية – يونس سالمي

يونس سالمي

” إن الفلسطينيين رسموا لنا معالم طريق يمكن أن نسلكه حين نعود الى المغرب “

تعتبر القضية الفلسطينية وكفاح الشعب الفلسطيني من أجل تحرير أرضه ، إحدى أبرز القضايا الاممية التي أثرت في وجدان وتفكير الشباب المغربي ، بل تعتبر عن حق أكثر القضايا التي طبعت التفكير السياسي و الوطني لدى الشبيبة المغربية منذ بداية الاحتلال الفرنسي – الاسباني للمغرب الى يومنا هذا.

في معمعان الكفاح المسلح الذي كانت تقوده المقاومة المغربية في الارياف ولا سيما في الجنوب و الجنوب الشرقي ، برزت حركة مقاومة سياسية بالمدن المغربية بمبادرة الشباب المثقف نهاية العشرينات وبداية الثلاثينات من القرن الماضي عرفت في التاريخ السياسي المغربي بإسم الحركة الوطنية . لقد ساهمت الثقافة الفلسطينية في تبلور الوعي السياسي القومي لدى المغاربة حيث احتك الشباب وفي مقدمتهم الطلبة والاساتذة المغاربة بالشباب الفلسطيني في اطار البعثات الطلابية المغربية التي كان ينظمها بعض رموز الحركة الوطنية في الشمال المغربي نحو فلسطين وخاصة المدارس الوطنية في نابلس ( مدرسة النجاح ) حيث ساهمت الصحافة الفلسطينية التي كانت تتناول قضايا المنطقة العربية و المغاربية وتبعاث التغلغل الصيهوني في المنطقة ، في تنمية الوعي السياسي لدى الطلاب المغاربة اتجاه الاستعمار وسبل مقاومته إذ كان يردد الطلاب المغاربة العائدين من فلسطين ”  إن الفلسطينيين رسموا لنا معالم طريق يمكن أن نسلكه حين نعود الى المغرب ” .

لقد بدأت أولى الاحداث تأثيرا في الشعب المغربي اتجاه القضية الفلسطينية ما عرف بثورة البراق سنة 1929 وهي ثورة اندلعت على اثر اعتداء صهيوني على الاماكن المقدسة في القدس ( ساحة البراق ) حيث اخمدت بريطانيا هذه الثورة بالعنف باعتقال ثلاث فلسطينيين واعدامهم بسجن عكا لازالت أغنية فرقة العاشقين ” سجن عكا ” تؤرخ لهذا الحدث الى اليوم ، على إثر هذه الاحداث خرج الشباب المغربي في مدن سلا وفاس وتطوان منددين بالجريمة و بالاحتلال البريطاني . ما دفع الاحتلال الفرنسي الى اعتبار أن موجة المظاهرات الشبابية لا تعبر عن  تحرك عفوي تضامني بل هو موقف سياسي اتجاهها .

لقد استمر تأثير القضية الفلسطينية في حركة الشبيبة المغربية طول فترة الاحتلال الفرنسي للمغرب عبر محطات عدة كان ابرزها قرار تقسيم فلسطين 1947 وقيام الكيان الصهيوني سنة بعد ذلك، حيث عمت مظاهرات الشباب في كل شوراع الرباط وسلا وفاس وتطوان ضدا على التواطئ الامبريالي في زرع الكيان الصهيوني عنوة في الاراضي الفلسطينية ، لدرجة أن هذه الاحداث دفعت بالقائد الثوري المغربي محمد بن عبد الكريم الخطابي الى الاعلان من منفاه في القاهرة أنه على استعداد لنقل تجربة حرب العصابات التي خاضها بالريف مابين 1921 و1926 ضد الاسبان الى ارض فلسطين لتحريرها من المستعمر البريطاني ومسخه الكيان الصهيوني .

بعد صفقة اكس ليبان وحصول المغرب على الاستقلال 1956الذي تبين فيما بعد أن المغرب حصل على استقلال شكلي سرعان ما انفجرت اولى تمظهراته بين نظام المعمرين الجدد والجماهير الشعبية من خلال انتفاضتي الريف 1958 وانتفاضة الدار البيضاء 1965،استمر تفاعل الشبيبة المغربية مع تطورات القضية الفلسطينية لينتقل مركز ثقلها الى الشبيبة التعليمية وخاصة التلاميذ و الطلبة الذين فعلت فيهم تطورات النكسة الفلسطينية وما صاحبها على المستوى الاممي من حركات ثورية وخاصة الاشعاع الكبير للثورة الثقافية الصينية وانتفاضة الطلاب والعمال الفرنسين في ماي 1968 هذه الثورات التي نفثت كل افكارها عبر العالم على شكل حركات مناهضة للاستعمار في شكليه القديم و الجديد، وبعثت من جديد الفكر الماركسي الثوري الذي اسدلت عليه الحرب الباردة الكثير من الغبار ، لقد استطاعت الشبيبة المغربية من خلال احدى اقوى اطارتها النقابية خلال تلك الفترة وهي النقابة الطلابية أ و ط م أن تعلن في مؤتمرها الثالث عشر أن القضية الفلسطينية هي قضية وطنية بالنسبة للمغاربة ودعا إلى دعمها عسكريا و سياسيا و إلى ربط نضال الشعب المغربي بنضال الشعب الفلسطيني في إطار استراتيجية الثورة العربية  ضد الامبريالية و الصهيونية وعملائها المحليين تجسيدا لمبدأ تقدمية أ و ط م الذي دافعت عنه وبلورته بشكل علمي أولى الحلقات الماركسية التي كانت قيد التشكل نهاية الستينات .

لقد استطاع هذا القطاع النقابي الطلابي أن يضع تصورا علميا لموقف الشبيبة المغربية و الشعب المغربي عامة لمضمون التضامن و التلاحم مع نضالات قوى الشعب الفلسطيني ، ففي الوقت الذي كانت تسيطر فيه النظرة القومية الضيقة للقضية الفلسطينية التي ساهمت في انتشارها الاطروحات القومية للبرجوازية الصغيرة ، استطاع شباب اليسار الجديد بالمغرب أن يعطي المضمون الحقيقي للقضية بما هي قضية شعب مستعمر تتداخل مطالبه في تحرير ارضه مع مطالب كل شعوب المنطقة ما دام العدو الاستراتيجي واحد : الامبريالية و الصهيونية و الانظمة العميلة التي كشفت نكسة 1967 مدى محدودية مشروعها ، والحق يقال أن اليسار المغربي جعل من يوم الارض محطة للنضال من أجل التضامن مع الشعب الفلسطيني بل قدم في سبيل ذلك العديد من الشهداء من الشبيبة التعليمية  ، ففي سنة 1979 سقط الشهيد التلميذ محمد كرينة شهيد الشبيبة الاتحادية بمدينة اكادير لمشاركته في مظاهرات يوم الارض الذي كان تقليدا لدى التلاميذ و الطلبة ينظمون خلاله أياما اشعاعية ونضالية للتعريف بنضال الشعب الفلسطيني ، وبفاس سقط ثلاثة شهداء طلبة وهم سعاد السعيدي وعادل أجروي وزبيدة خليفة على اثر المظاهرات التي عمت كل الجامعات المغربية سنة 1988 بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى – انتفاضة الحجارة 1987 – يليها سنوات بعد ذلك سقوط الشهيد عبد الرزاق الكاديري بالموقع الجامعي مراكش سنة 2008 بعد المظاهرات التي عمت الجامعة تضامنا مع الشعب الفلسطيني .

على سبيل الخاتمة

لقد شكلت القضية الفلسطينة لدى الشباب المغربي مرجعا اساسيا في تطوير الفعل النضالي والتضامني المحلي ، لقد شكلت عن حق خط التماس في طرح مسألة التحرر الوطني من نير الامبريالية و التغلغل الصهيوني في كل بقاع المنطقة العربية و المغاربية ، هذا الخط الذي أدركت خطورته الطبقات الحاكمة لدرجة أنه كانت تهدد في مناسبات عدة كل من سولت له نفسه الخروج للشارع للتضامن مع الشعب الفلسطيني ، مؤمنة كما جرى لسابقتها أن التفاعل مع القضية الفلسطينة لم يكن مسألة ” فطرية ” أو تضامن عاطفي ، بل أن المسألة تجاوزته الى موقف سياسي اتجاه التطبيع من الكيان الصهيوني واتجاه طرح مطالب التحرر الوطني من الهيمنة الامبريالية و الصهيونية ، فتراها اليوم تنوع كافة أشكال التطبيع الاقتصادي و السياسي و العسكري مع الكيان الصهيوني ،كيف لا وهي على يقين أن مصير الكيان الصهيوني اضحى مرتبطا بمصير كل الانظمة العميلة في المنطقة .

======================================

نشر هذا المقال في الجريدة المرزية للنهج الديمقراطي عدد شتنبر 2019