الرئيسية / • وجهة نظر / أقلام وآراء الشبيبة / الشباب والحركات الاجتماعية: “حراك الريف وجرادة أنمودجا” – سعيد حداد

الشباب والحركات الاجتماعية: “حراك الريف وجرادة أنمودجا” – سعيد حداد

   تسع سنوات مرت على انطلاق الحراك العشريني بالمغرب، مرحلة جديدة طبعت تاريخ هذا البلد بقيادة شبابه وشاباته، ترجمتها مطالب اجتماعية واقتصادية وسياسية يمكن تلخيصها في :

   صياغة دستور ديمقراطي بواسطة جمعية تأسيسية منتخبة تعكس الإرادة الحقيقية للشعب؛ حل الحكومة والبرلمان؛ استقلال ونزاهة القضاء؛ محاكمة المتورطين في قضايا الفساد ونهب خيرات البلاد؛ الإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين؛ ضمان حياة كريمة.

   وجسد شعار إسقاط الفساد والاستبداد مدخلا لتحقيق هذه المطالب، عبرت عليها احتجاجات أسبوعية في الشارع العام واجهتها الدولة البوليسية بالقمع والمنع والاعتقالات والاغتيالات، فوزعت عقود من السجن على المحتجين وسقط الشهداء في الشوارع ( شهداء محرقة الوكالة البنكية بالحسيمة، كريم الشايب بصفرو، كمال العماري، فدوى العروي، حميد الكنوني…)

فهل تمكنت المقاربة القمعية من لجم الأصوات الحرة المنادية ببناء وطن يتسع للجميع ؟؟

   لإجابة يحملها قانون لافوازيه “لاشيء يضيع، لاشيء يخلق، كل شيء يتحول”، لقد عملت الدولة المخزنية على إقبار حلم الشباب في مهده، بخلق جو من الترهيب والقمع كإجابة واحدة ووحيدة على المطالب التي رفعت آنذاك، إلا أن ذلك لم يتأتى لها، فانطلقت شرارة حراك شعبي بالريف سنة 2016 بقيادة شباب المنطقة بعد القتل التراجيدي للشاب محسن فكري بطحنه في حاوية للنفايات في أكتوبر من نفس السنة بمدينة الحسيمة، حركة احتجاجية انطلقت في موقع الحدث (الحسيمة) ثم توسعت لتشمل جل الريف ” امزورن، تماسينت، بني بوعياش، بوكيدان، تروكوت، آيت قمرة، تارجيست، تلارواق، بني بوفراح، بني جميل، العروي، الناظور…” حراك واعي المقاصد، محدد الأهداف، ودقيق المطالب، انعكس هذا الوعي بشكل جلي في بحث قادته عن صيغة تنظيمية تحصن الحراك وتضمن استمراريته رغم الاختلافات الطفيفة التي قامت بين بعضهم (موقف المجاوي الداعي لخلق نواة تنظيمية/تنسيق إقليمي وموقف الزفزافي الرافض لذاك الشكل الكلاسيكي حسب تصريحه) كما انعكس هذا الوعي في طرح أرضية تنقل الحركة الاحتجاجية إلى حركة اجتماعية، وهو ما يعبر عليه فرانسوا شازل في تحديده لمفهوم الحركة الاجتماعية، ذلك أنها بمثابة “فعل جماعى للاحتجاج بهدف إقرار تغييرات في البيئة الاجتماعية أو السياسية”، فالأمر يتعلق ب” جهود منظمة يبذلها عدد من الناس بهدف التغيير أو مقاومة التغيير في المجتمع”، هذا الانتقال الذي نحن بصدد الحديث عنه (من حركة احتجاجية إلى حركة اجتماعية) تجلى كذلك في طرح وثيقة مطالب الحراك الشعبي التي تم عرضها على الجماهير الشعبية خلال المسيرة الاحتجاجية التي تم تنظيمها في 05 مارس 2017، يمكن تلخيص نقاطها في :

مطالب حقوقية:

  • تقديم جميع المتورطين في مقتل الشهيد محسن فكري إلى العدالة، مع ضمان عدم تكرار تلك الجرائم

  • الكشف عن حقيقة ملف الشهداء الخمس في البنك الشعبي خلال أحداث 20 فبراير 2011.

مطالب قانونية:

  • إلغاء ظهير 1.58.381 الذي يعتبر إقليم الحسيمة منطقة عسكرية.

  • إسقاط كل المتابعات القضائية في حق بسطاء مزارعي القنب الهندي بإقليم الحسيمة والمناطق الأخرى.

  • إطلاق سراح المعتقلين السياسيين وتسوية وضعيتهم من بينهم الأستاذ محمد جلول.

مطالب اجتماعية:

  • بناء جامعة متكاملة التخصصات.

  • إحداث معاهد عليا في عدة تخصصات.

  • إحداث مستشفى جامعي بإقليم الحسيمة وبناء مستشفى خاص بالسرطان.

  • الحفاظ على القطاع الغابوي والثروة البيئية للإقليم.

مطالب اقتصادية:

  • رفع التهميش والحصار الاقتصادي.

  • معاقبة كل اللوبيات المتورطة في جميع الاختلالات التي يعرفها قطاع الصيد البحري.

  • تحديد نسبة تصدير مختلف الأسماك خارج الإقليم.

  • احترام صارم للراحة البيولوجية للسمك؛ خلق برامج طموحة حقيقية للقضاء على البطالة.

  • تخفيض تسعيرة الماء والكهرباء؛ التوقف عن مصادرة الأراضي السلالية بالريف وإرجاع ما تم سلبه منها.

   لم تمضي إلا أيام معدودة عن مسيرة “الملف المطلبي” حتى جاء الرد الرسمي للدولة البوليسية يوم 11 ماي 2017، بتسخير أحزابها الغارقة فـ’تامخزانيت’ للجهر بتصريحات تتهم فيها نشطاء الحراك بكونهم “مجموعة مسخرة من الخارج تروج لأفكار هدامة وتهدف لخلق الفتنة والمس بالمقدسات…”و بناءا على هذا التصريح المخزي الذي اعتبر موجها للتدخل القمعي البوليسي في حق نشطاء الحراك، وهو ما تم يوم 26 ماي 2017 أو ما عرف ب “حادث المسجد”، الذي سيعتقل على إثره عشرون مناضلا من الحراك من مختلف مناطق الريف بتهمة المس بالسلامة الداخلية للدولة، لتليه حملة مسعورة من الاعتقالات والتسريع في إصدار أحكام (14 يونيو إصدار أول الأحكام بالحسيمة في جزء من معتقلي الحراك) اعتقالات وأحكام صورية لم تتمكن من اخماذ شرارة حراك قاده شباب الريف، وهو ما دفع بالنظام إلى الرفع من وتيرة العسكرة لمنطقة الريف بأكملها وزرع جو من الرعب في ساكنة المنطقة.

   هذا الأسلوب البائد الذي سلكته الدولة لإخراس صوت الشباب الحالم بالعيش بكرامة وحرية وعدالة اجتماعية؛ أسلوب بث الرعب في منطقة الريف وجعلها عبرة لمن يحاول التفكير في الحذو حدوهم، فشل مجددا وظل قانون لافوازيه قائما، حيث ستنطلق شرارة حراك شعبي آخر بمدينة جرادة (مدينة عمالية سابقا) وبقيادة شباب ونساء المنطقة، هذا الحراك الذي اندلع على اثر وفاة الشابين حسين وجدوان بعد انهيار ساندرية/بئر لإخراج الفحم يوم 22 دجنبر 2017، حدث مأساوي حاولت السلطات احتواءه بدفن شهيدي لقمة العيش ليلا وبشكل سري، بعدما استغرقت عملية انتشالهم من داخل البئر أزيد من 30 ساعة وبمجهودات ذاتية لساكنة المنطقة، وهو ما دفع بهم إلى محاصرة مستودع الأموات لمنع عملية الدفن، لينطلق الحراك الشعبي بالجوهرة السوداء في مسيرات احتجاجية يومية في الصباح، وفي نقاشات ليلية بالأحياء الشعبية أفرزت لنا لجن أحياء عملت على توسيع دائرة الحراك وتسطير الملف المطلبي (إيجاد بديل اقتصادي لإخراج المدينة وعموم الإقليم من وضع الهشاشة؛ المطالبة بإعفاء السكان من أداء فواتير الماء والكهرباء؛ محاسبة المسؤولين الذين ساهموا في تدهور المدينة “البارونات”، واستغلوا جهد العمال البسطاء طوال عقدين من الزمن.) ناهيك عن فرز قادة للحراك، بشكل مشابه تقريبا لما حدث بالريف، فما كان على الدولة البوليسية سوى الانطلاق في أساليبها القديمة/الجديدة، تمثلت أولا في نهج سياسة الاحتواء بطرح مفاوضات مع قادة الحراك، مرورا بشيطنة الحراك عبر إشاعة لازمة “توجيه اليسار الجدري والإسلاميين للحراك”، وصولا إلى همجية الاعتقالات والقمع والمنع، وبث الرعب في ساكنة المدينة.

   هذه الحركات الاجتماعية ذات الطابع الشبابي فندت الطرح القائل بعزوف الشباب عن السياسة والذي يفسر دائما بالمشاركة الهزيلة للشباب في الانتخابات، وهو دليل ساطع على انكشاف زيف تلك المؤسسات الشكلية.

   مثلت هاتين التجربتين إجابة قاطعة لفشل العقلية القمعية للدولة البوليسية في قمع الحركات الاحتجاجية، وأن تزايد الوعي الشعبي يوازيه ابتكار تنظيمات ذاتية مستقلة تكتسب شرعيتها من الشعب.

   لقد راهن النظام المخزني على زرع الخوف “واش بغيتونا ترجعوا بحال سوريا” في نفوس المغاربة بنهجه لسياسة القمع والترهيب مع خفوت الحراك العشريني، فشكلت هذه الاحتجاجات لحظة أمل متجدد ومناسبة أخرى لتكسير جدار الخوف وتعميق الفرز بين أصدقاء الشعب وأعداءه.

نشر هذا المقال بجريدة النهج الديمقراطي عدد 340