الرئيسية / الأنشطة / سعيدة الشهيدة…وشم بالأظافر في الذاكرة – جمال أجبرا

سعيدة الشهيدة…وشم بالأظافر في الذاكرة – جمال أجبرا

Share

جمال أجبرا

دُوّن في صفحات التاريخ أن تشيليدونيس، في 280 قبل الميلاد، قامت أثناء حصار اسبرطة بوضع حبل المشنقة حول عنقها لتظهر لزوجها كليونيموس أنها لن تؤسر حية؛ كما دُوّن أن سعيدة المنبهي أول شهيدة عربية بعد إضراب عن الطعام، والذي دخلته احتجاجا على سجنها بسبب نضالها الثوري. وبين الحدثين وبعدهما خطت وتخط نساء ثوريات بطولات لا حصر لها في الذود عن العدالة والحرية، من الأم لو في العام 14م التي قادت تمرد الفلاحين ضد وانغ مانغ من سلالة هان الغربية الحاكمة؛ إلى زنوبيا التي قادت ثورة ضد الإمبراطورية الرومانية، ولورينزا أفيماناي التي قادت ثورة ضد الاحتلال الإسباني في الإكوادور سنة 1803، وصولا إلى عام 2011، إذ نظمت آية فيرجيني تور أكثر من 40،000 امرأة في العديد من الاحتجاجات السلمية التي تحولت إلى ثورة ضد لوران غباغبو في كوت ديفوار[1]…وبقية الملحمة تأتي.

ملحمة النضال النسائي الثوري المغاربي والعربي لها إذن عنوان بارز اسمه سعيدة المنبهي، التي يخلد اليسار المغربي والعالمي وكافة المناضلين الأحرار ذكرى رحيلها في الحادي عشر من دجنبر كل سنة؛ والتي أعطت قضية المرأة في المنطقة بعدها التحرري الحقيقي، بالنضال ضد الاضطهاد المزدوج الذي تعانيه النساء الكادحات من الرجل ومن الإقطاع والرأسمالية، مع الوقوف إلى جانب رفيقها الرجل ندا للند وكتفا لكتف  من أجل إنجاز مهام النضال التحرري الديمقراطي ذي الأفق الاشتراكي؛ فناضلت حاملة مشعل القيم الاشتراكية التقدمية في صفوف الحركة التلاميذية والطلابية، ثم داخل نقابة الاتحاد المغربي للشغل، لتتوج مسارها النضالي بالالتحاق بالمنظمة الثورية الماركسية اللينينية “إلى الأمام”؛ لكن نظام البطش القائم أبى إلا وقف نشاطها الثوري (أو هكذا توهم)، فعملت أجهزته القمعية على اختطافها في 16 يناير عام 1976، وأدخلت إلى مركز جرائم التعذيب درب مولاي الشريف بالدار البيضاء.

 وحكم علي سعيدة المنبهي مع مجموعة أبراهام السرفاتي، التي ضمت أيضا إدريس بنزكري وصلاح الدين الوديع وعبد القادر الشاوي، بالسجن لمدة خمس سنوات، إلي جانب سنتين بتهمة “الإساءة إلى القضاء”؛ وابتداء من يوم 8 نونبر 1977 دخلت في إضراب عن الطعام؛ بهدف سن قانون المعتقل السياسي والدعوة إلى تحسين ظروف المعتقلين. ودام الإضراب لمدة 34 يوما نقلت الشهيدة بعدها إلى مستشفى ابن رشد، حيث قضت بسبب الإهمال يوم 11 دجنبر 1977 وهي في سن 25 سنة.

لن نحزن يا رفيقة رغم صعوبة كفكفة الدمع ونحن  نستحضر ذكراك، بل سنتذكرك بفرح يا سعيدة، يا عروس الشهداء، امتثالا لوصيتك وأنت تحفرين على جدران سجنك كلماتك الموشومة في الذاكرة ومصطبات الروح: “تذكروني بفرح، فأنا وإن كان جسدي بين القضبان الموحشة فإن روحي العاتية مخترقة لأسوار السجن العالية وبواباته الموصدة وأصفاده وسياط الجلادين الذين أهدوني إلى الموت”.

رسموا على الجدران صورة قاتلي

فمحت ملامحها ظلال جدائل

وحفرت بالأسنان رسمك داميا

وكتبت أغنية العذاب الراحل

أغمدت في لحم الظلام هزيمتي

وغرزت في شعر الشموس أناملي

هكذا قال درويش وكأنه يكتب عنك، إلا أنك اخترت الأظافر بل الأسنان لتكتبي على جدران السجن أشعارك الثورية التي تختزل معاناة شعب من ويلات التفقير والقمع الطبقي، ومعاناة النساء الكادحات وبناتهن واللواتي دفعهن العوز وقهر النظام الأبوي إلى امتهان الدعارة، كما جاء في قصيدتك “فتيات اللذة”.

نعم كانت سعيدة تكتب على جدران السجن بأظافرها لتوثق محنتها ومحن الشعب، ويعد شعرها نموذجا في أدب السجون والشعر المغربي الثوري والنسائي، وكانت تكتب بالفرنسية، (ترجم شعرها عبد اللطيف اللعبي للغة العربية) علما أنها  تخرجت أستاذة للغة الإنجليزية بعدما درست بمراكش، مسقط رأسها، المرحلة الابتدائية والثانوية، وبالرباط في المرحلة الجامعية.

لقد صدقت يا سعيدة عندما قلت إنك ستموتين مناضلة، لكن ذكراك ستظل خالدة وقد أشعلت جذوة النضال في نفوس الكثير من الرفيقات والرفاق الذين يواصلون المسير لفك قيد الوطن الأسير..وأقتبس من الشاعر مظفر النواب لأقول لك: إن كنت حية في سجن، أو حية في قبر، فأنت هاهنا بيننا ثورة عارمة…سنتذكرك بفرح وسنغني للفرح وللحب والأمل والثورة…

وسنقرأ قصائدك المفعمة بالحب رغم ليل الزنزانة الحالك، وهذه واحدة منها:

***

بعد الحكم الجائر

انتظر دق الساعة

ساعة اللقاء والانتصار

منذ ما يقرب من سنتين

لا شيء غير الصمت

الكثيف المجلجل…

هكذا أشعل نجوم حياتي

الواحدة تلو الأخرى

ليظهر وجهك

في ضوء النجمة الحمراء

وأسهر ليتحطم الليل

لتتبعثر كل الأصوات

ولتنفجر الكلمة شرارة

وشمة الأزمنة

صرخة

رفضا للاستغلال والاستلاب

كلمة تثقب السور

والكثافة

كلمة حمراء ضد الديماغوجية

الهدر المصحر

كلمة كرسم هيروغليفي لقلبي

مخططة بريش الدم

كلمة شاعر

كلمة كالشفرة التي تسلخ

قامة مصاص الدماء..

في الزنزانة السوداء

في هذه الليلة الحالكة

في ليلهم الذي يطرده النهار

أتحول إلى لحظة

وأصبح انتصارا

ابحث في العتمة

عن معلم** في الزمن

زمن العامل..الفلاح

كل الثوار

في يوم النور ذاك

سأرى صورتي في عينيك

وأنا عارية كفكرة

مكسوة كلبلاب

في يوم النور ذاك

سنكون قد رمينا من أيدينا

الأغلال البيضاء

في وجه الكلاب النابحة

 سعيدة المنبهي يوم 13 غشت 1977

ترجمة عبد اللطيف اللعبي.

[1] موسوعة ويكيبيديا

Share

اترك تعليقاً