الرئيسية / قضايا أممية / اليسار العالمي / صعود الفاشية في أوروبا ومهام الشيوعيين

صعود الفاشية في أوروبا ومهام الشيوعيين

Share

ترجمة مرتضى العبيدي

إن صعود حزب “فوكس” (VOX ) في انتخابات 10 نوفمبر ، سواء من حيث عدد الأصوات أو عدد النواب كقوة سياسية ثالثة في اسبانيا، يجب أن يدعونا إلى تفكير عميق حول ما يحدث في بلدنا على وجه الخصوص وفي أوروبا كلها.
وعلينا أن نتساءل لماذا في حالة الأزمة الاقتصادية، وكلما تدهورت الظروف المادية للطبقات الشعبية ، وانكشفت حقيقة التنظيمات الإصلاحية، تعجز الأحزاب الماركسية اللينينية على استقطاب الجماهير وجذبها إليها في حين تتقدم المنظمات الفاشية أو القريبة من الفاشية بشكل واضح ؟
وللإجابة على هذا السؤال، أورد فيما يلي بعض القضايا التي يجب علينا نحن الشيوعيين تحليلها بعناية، عوض الوقوف عند باب النقاوة الأيديولوجية فحسب.
أولاً ، من الضروري معرفة الواقع المادي للطبقة العاملة، ووضعها الموضوعي، ولكن أيضا الجوانب الذاتية، والعناصر العاطفية والنفسية ، والتي تدخل أيضا في الحسبان، وأذكر على سبيل المثال لا الحصر قضية الهجرة.
يجب أن ندرك أن الهجرة مسألة معقدة للغاية وهي تؤثر على العمال، والطبقات الشعبية. ولا يمكن معالجتها فقط من خلال إدانة كره الأجانب وعنصرية اليمين المتطرف. إن المهاجرين يعيشون في الأحياء الشعبية ويحدث فيها عدة مرات صدامات اقتصادية وثقافية مع الجيران، إنها حقيقة واقعة. ونحن الشيوعيون، ومن أجل معالجة هذا الواقع، علينا أن ننخرط في مشاكل تلك الأحياء وأن نقترح الحلول، لأنه بخلاف ذلك ـ ونحن نرى ذلك بالفعل منذ سنوات ـ فإن الفاشية هي التي تنتشر بين العمال.
فالقول بأن العمال هم الذين يجب أن يكونوا داعمين للمهاجرين تبقى عبارة فارغة، إذ يتعين علينا شرح المشكلة في مجالس الأحياء والتشهير برجال الأعمال الذين يشغلون المهاجرين بطريقة غير قانونية، ونشرح ذلك لهم، ونحثهم على تنظيم أنفسهم وعلى المقاومة وعلى الاندماج ثقافيا واجتماعيا في المناطق التي يعيشون فيها. الشيء نفسه ينطبق على المهن المنزلية. علينا أن ندعم كذلك احتلال الأراضي الفارغة التي تحتكرها البنوك، لكن علينا معارضة المافيا التي تحتل المؤسسات الاقتصادية.
وعلى الشيوعيين أن يشاركوا مباشرة في النضالات الشعبية، ولا أعتقد أنهم اليوم في إسبانيا يشاركون بعمق في الحراكات المناهضة لعمليات الإخلاء مثلا. هناك طبقة واسعة جدا من البرجوازية الصغيرة وما يسمى بالطبقات المتوسطة في البلدان المتقدمة، نحن بحاجة للوصول إليهم. هل نعرف كيف نفعل ذلك؟ هل نعرف حقا الأوضاع الاقتصادية للمهندسين والأطباء أو التجار الصغار؟
وعقلياتهم؟ أن نشرح لهذه القطاعات الاجتماعية ما هي الشيوعية يبقى مسعى عقيما إذا كانوا لا يعرفوننا في الحياة اليومية.
من الضروري أيضًا التمسك بالراية الوطنية، لأن الفاشية تتلاعب بها لصالحها. ومن الواضح أن هذه المسألة معقدة وصعبة المعالجة للشيوعيين. ولكن يجب ألا ننسى أن هذا العنصر العاطفي له حضور وازن لدى القطاعات الشعبية. كيف نجعل الأممية البروليتارية غير متناقضة مع الوطنية؟ يبدو وكأنه تناقض غير قابل للحل ، خاصة إذا كنا نتذكر الصيغة الماركسية: العمال لا وطن لهم. لكننا اليوم، نعتقد أن هذه العبارة تتطلب تدقيقات معينة. ما قصده ماركس هو أن العمال لديهم نفس العدوّ في كل مكان ألا وهو البرجوازية. ووفقا لذلك، لا يمكن لعمال بلد ما أن يتماثلوا مع مصالح البرجوازية في بلدهم، إذ أنهم يشكلون طبقات متناقضة. فالادعاء بوجود مصالح مشتركة يُستعمل دائما لفائدة الطبقات الحاكمة. وكطبقة مهيمن عليها ومستغلة ، يجب على البروليتاريا أن تبقى متحدًة وداعمًة لبعضها البعض بقطع النظر على انتماءاتها الوطنية.
ولكن هذا لا يعني أن العمال لا يتماهون مع الثقافة، والفن والأدب أو بعض الحقائق التاريخية للبلد الذي ولدوا ويعيشون فيه. فالقومية تختلف عن الوطنية. فإذا كانت الأولى تقوم على رفض الآخر، وعلى تمجيد بعض القيم الخاصة التي من المفترض استعمالها في مواجهة الآخر (الأجنبي)، الذي يُعتبر بمثابة العدو، فإن الوطنية، على العكس من ذلك، لا تؤكد في جوهرها على الفروق مع الآخرين، ولا تعتبر نفسها في مواجهة مع الشعوب الأخرى.
بل إنه يمكننا الحديث عن نوع من الوطنية الشعبية، مرتبطة بالصراع الطبقي بين الطبقات المهيمن عليها والطبقات الحاكمة، أو بالنضال من أجل السيادة الوطنية. في حالة اسبانيا مثلا، هناك الوطنية الجمهورية التي دافع عنها خوسيه دياز ، دولوريس إباروري ، خوان نيغرين ، أذانا ، وغيرهم كثير، أمام الفاشية. وبهذا المعنى، ليس هناك تناقض بين الأممية البروليتارية والوطنية ، لأنه بهذا المفهوم لا يمكن أن تكون الوطنية دفاعا عن المصالح المشتركة بين البرجوازية والبروليتاريا، لكنها ترتبط بالدفاع من المصالح الشعبية وحماية التراث الثقافي والتاريخي للبلاد.
هذه هي القضايا المحددة التي من الضروري معالجتها إذا ما كانت المنظمات الماركسية اللينينية تريد النمو. إن الصرامة الإيديولوجية يجب إظهارها في الممارسة العملية وليس فقط في الاقتباسات من الكلاسيكيات الماركسية وفي الوثائق. فالأمر واضح: إذا كانت تحليلاتنا صحيحة ونحن لا نصل إلى الجماهير، فهناك خلل ما يجب معالجته بالجدية اللازمة حتى نتجنب الفشل. إن العديد من الرفاق لديهم رؤية مثالية للطبقة العاملة. إن الطبقة العاملة ليست كتلة متجانسة بل إن لها عديد التناقضات الداخلية ، ومصالح متنوعة، وأحيانا مقاربات رجعية تماما لكثير من القضايا. ولا يجب الخلط بين الدور التاريخي للبروليتاريا و الوضع الملموس الذي تكون عليه تلك الطبقة في مرحلة ما أو منعطف معين. للوصول إلى العمال علينا أن نعرفهم في حياتنا اليومية ، وليس بمجرد قراءة الكتب وتذكر الأفعال البطولية.
ولمحاربة الفاشية لا يكفي أن نذكّر بالجرائم المروعة الذي ارتكبتها في القرن العشرين؛ بل إنه على قوى اليسار تقديم بديل سياسي واضح ومتماسك للطبقات الشعبية، والتحدث إليها دون تعقيد ولا مراوغة. بل عليها طرح قضايا الدفاع عن الحق في تقرير المصير، والتنديد بالإرهاب الاجتماعي المتمثل في أشكال التشغيل الهش، وعن شرعية العنف الشعبي الذي تمارسه الجماهير في مواجهة العنف الهيكلي للرأسمالية، عن الصراع الطبقي، وعن الحاجة إلى بناء الاقتصاد الاشتراكي … هذه هي لغة اليسار الحقيقي، هذه هي لغة الشيوعيين. أما ما عدا ذلك فهو الارتباك والغموض الذي يؤدي في النهاية إلى الإحباط الذي ينتج عنه عدم وضوح الرؤية بخصوص المستقبل، وهو أمر يشغل اليوم قطاعات اجتماعية عديدة، وهو ما يسهّل انتشار الدعاية الفاشية بينها.

* مناضل شيوعي وأستاذ التاريخ المعاصر في الجامعة الاسبانية.
** نشر هذا المقال بجريدة “أكتوبر” اللسان المركزي للحزب الشيوعي الاسباني الماركسي اللينيني، العدد 130، ديسمبر 2019

Share

اترك تعليقاً