الرئيسية / • وجهة نظر / قضايا نظرية / في الجمود العقائدي – ي. سالمي

في الجمود العقائدي – ي. سالمي

Share

” ليس هناك بالنسبة للفلسفة الدياليكتيكية، شيء نهائي، مطلق مقدس. إنها ترى حتمية الانهيار في كل شيء، و لا يوجد شيء يستطيع الصمود في وجهها إلا المجرى المستمر للنشوء و الزوال، للصعود اللامتناهي من أدنى إلى أعلى” انجلز

تحجر الفكر ، جمود التنظيم، الانعزال عن الجماهير،التهويل من اللحظات السياسية العابرة ، استصغار المنعطفات التاريخية الحاسمة … كلها مظاهر تنم عن سيادة الجمود العقائدي الذي يصيب الفكر الثوري وما أن يسود هذا الاسلوب في التفكيروسط تنظيم ما إلا وقذف به نحوالانعزال والتفكك وحصد الهزائم تلوى الاخرى .

لقد عانت الحركة الثورية العالمية لسنوات من سيادة التحجر الفكري وبلمحة سريعة يمكن أن نعتبرأن أولى المعارك التي خاضتها الماركسية ضد الجمود العقائدي قد اندلعت في روسيا مطلع القرن العشرين ، وقد جاء مؤلف “ما العمل ؟” للينين كإجابة نظرية وعملية عن المتطلبات الجديدة لقيادة نضال الطبقة العاملة معلنا قطيعة جذرية مع الاساليب القديمة التي هيمنة عليها الانتهازية البرنشتاينية ، فرغم ذلك عاد الجمود العقائدي ليضرب بقوة خلال التهييئ لثورة 1917 ليعصف بقيادة البلاشفة ( البلاشفة القدامى ) التي كانت متمسكة بنفس الافكار السابقة ولم تنتبه للمنعطف التاريخي الذي كانت تعيشه الثورة ، نفس الامر ونفس الاسلوب ساد وسط الشيوعيين بالصين حيث تمسكوا بنفس الاسلوب الذي نهجته ثورة أكتوبر ولم ينتبهوا أن شجرة حياة الصراع الطبقي بالصين خضراء، ما عاد على الحزب و الشعب الصيني بويلات وهزائم راح ضحيتها الالاف من الاطر الحزبية ، إن النجاح الذي شهدته الثورة الصينية في كل مراحلها يعود فضله للحملة التي قادها الحزب ضد الجمود العقائدي وتوأمه أو وجهه المشوه النزعة التجريبية ويمكن أن نعتبر مؤلفي ” في التناقض ” و ” في الممارسة العملية ” ضربة قاضية اصابت التكلس الفكري في مقتل . نفس الامر يمكن أن نسوقه على تجربة الحركة الماركسية اللينينة المغربية التي عانت كذلك من سيادة الجمود العقائدي الذي تمظهر في الاسقاطات الذاتية لتجارب الثورات العالمية ( وخاصة الصينية والفيتنامية ) على الواقع المغربي .

لقد ساهمت تجربة بناء الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي بقدركبير في انعاش نزعات الجمود العقائدي ، وقد لعب الكومنترن ( الاممية الثالثة ) دورا كبيرا في لحظات تاريخية معينة في سيادة نزعة تحنيط الماركسية وجعلها قوالب جاهزة كلست مبدأ ” التحليل الملموس للواقع الملموس ” وحولته الى دوغمائية .

وبالرجوع الى الواقع الحالي للحركة الثورية و العمالية المغربية ، نجدها لازالت تعاني كذلك من الجمود العقائدي الذي وجب خوض معركة فكرية ضده عبر الصراع الايديولوجي الايجابي لأن أصحابه يتقنعون بقناع الماركسية من أجل التهويل على العمال و على الجماهير لذا وجب كشفهم ونزع القناع عنهم من أجل وضع الحركة في سكتها الصحيحة وتنقيتها من كل الشوائب خدمة للمشروع الثوري للطبقة العاملة وسنحاول أن نرصد أهم المظاهر التي تنم عن سيادة نزعة الجمود العقائدي

  • الذاتية

تعتبر الذاتية أبرز مظهر من مظاهر الجمود العقائدي رافعة شعار ” أنا أولا ” ومدعية الحكمة المطلقة وكل فكرة أو تحليل خارج عن قالبها المسبق تعتبره ” إنحراف ” و ” شيء ما هناك  ! ” وجب الاحتياط منه ، والذاتية تعشق جمع التحف الناذرة من المقاولات الجاهزة وهي تتعامل مع الفكر و التاريخ بشكل عام و الماركسية بشكل خاص على أنها أحذية مضبوطة القياس وتعتبر الواقع أقداما وجب بريها كلما لم تتناسب مع المقولات الجاهزة ” للقادة الكبار ” وما أن تفرك الذاتية على ضوء تطورات الواقع حتى تنبعث لك منها روح الانتهازية للبرجوازية الصغيرة التي تهاب حتى الموت اللحظات السياسية الحاسمة التي تستدعي التباث على المبادئ ، فترى المصابين بهذا الداء ينتعشون في التهويل على الجماهير باعتبارهم أصحاب المعرفة المطلقة فإن انهزمت الجماهير في معركة ما تجد الذاتية تلوم الجماهير على ” جهلها ” بقواعد النضال الثوري الذي تفهمه الذاتية وحدها ، وإن حققت الجماهير مكاسب عبر تضحياتها تجد الذاتية تقلل من شأن ذلك معتبرة ان المعركة هي أكبر من ذلك هي ” إسقاط النظام الرأسمالي ” وان الحركة وجب لها أن تتبع هذا الشعار السياسي لأنه مناسب ولأن ثورة ما في مكان ما وفي تاريخ ما قد رفعته وكل شعار تطرح الحركة و الجماهير فهو لا يغذو ان يكون ” كب الماء في الرمال ” .

  • الانعزالية

تعتبر الانعزالية الوجه البشع للجمود العقائدي ، فالماركسية لم تأتي لتفسير الواقع بطرق مختلفة بل لتغييرهذا الواقع تغييرا ثوريا ، إن الانعزالية تكتفي بتفسير الواقع على حسب هواها وهي تنحو دائما الى ” الاستقلال ” عن الجماهير لأن الثورية الانعزالية ترى أن أي تماس مع العمال و الجماهير عامة هو تقليل من شأنها وبهذه النظرة الاحتقارية تظل الانعزالية بعيدة عن هموم الجماهير فهي تهيئ لثورة ما لن يقودها من هم في الارض بل سينجزها من هم في  سماء الانعزالية ، لقد كانت محطة 20 فبراير أبرز لحظة سياسية كشرت فيها الانعزالية عن انيابها فبهيمنتها على ذهن بعض الشباب الرديكالي لاسيما في الجامعات المغربية وبعض الاطار الجماهيرية ( كالمعطلين مثلا ) فوتت الفرصة على الحركة من ان تستفيد من الطاقات الهائلة التي يزخر بها الشباب الذي ركنتهم الانعزالية في الزاوية .

  • الشكلية

 هناك وجه اخر للجمود العقائدي منتشر بشكل لابأس به في صفوف العديد من المثقفين – ات و الماركسين – ات المغاربة وهو داء الشكلية ، فالشكلية تعشق التزلف و الادعاء وإن هممت بالاستماع لخطابها أو قراءة مقالتها فستخلص لتفسير واحد وهو أن الشكلية تكتب لكي لا تقول شيئا ، في تحليلها لبعض القضايا النظرية تهوى ممارسة ” أين وجدت هذا ” فالمعيار الاساسي للشكلية يبقى هو مطابقة النص فهي لا تهتم لمضمون الفكرة أو التحليل فاهتمامها الاعظم هو ما يوجد في الكتب ، وخطر الشكلية يكمن في افراغ الفكر الماركسي من محتواه وجعله عبار عن مقولات جاهزة للحفظ عن ظهر قلب بدون فهم سياقاتها والشروط التي أملتها .

 إن الذاتية و الانعزالية و الشكلية تعتبر أهم مظاهر الجمود العقائدي الذي أصاب الفكر الماركسي، وهو من جهة  اخرى يعتبر ردة فعل عفوية عن سيادة الانتهازية اليمينية على الحركة الثورية في لحظات تاريخية معينة، فإنهيار جدار برلين خلف غبار غطى المفهوم الثوري و النظرة الثورية للعالم وعوضه بمحاولات ” اصلاح ” النظام الرأسمالي  وحول الماركسية الى دوغمائية مقيتة . إن أقدس واجبات الماركسين – ات اليوم هو الدفاع عن الجوهر الحي للماركسية – التحليل الملموس للواقع الملموس – سواء ضد الانتهازية اليمينية أو اليسراوية التي بدورها تفرغ الماركسية من جوهرها وتحولها فكر للتباهي و التزلف .

نشر هذا المقال في العدد المزدوج لجريدة النهج الديمقراطي – يوليوز / غشت 2019

Share

اترك تعليقاً