الرئيسية / • وجهة نظر / قضايا نظرية / التحالف العمالي الفلاحي : هل لازالت قضية راهنة؟ يونس سالمي

التحالف العمالي الفلاحي : هل لازالت قضية راهنة؟ يونس سالمي

Share

” كل من يسير الى السلطة ويستعد لها ، عليه أن يهتم حتما بمعرفة من هم حلفاؤه الحقيقيون ” ستالين

يعتبر الماركسيون مسألة التحالفات من أهم و أعقد المسائل التي تدخل في صلب هوية خطهم الفكري و السياسي ، وهم بهذا يولون الاهتمام البالغ للمسألة لما تحمله من حساسية وخطورة في نفس الوقت ، غير أنهم في نفس الوقت يميزون في ذلك بين الطابع الخاص للتحالفات، فهناك تحالفات ذات طبيعة استراتيجية تهتم بمعرفة القوى الاساسية للثورة وباحتياطتها ( أو حلفائها الموضوعيين كما هو متداول ) طوال مرحلة معينة من الثورة ، يقتضيها انتقال هذه الاخيرة من مرحلة الى اخرى ، وتحالفات ذات طابع تكتيكي تهتم بأشكال النضال والتنظيم التي تنهجها الطبقة العاملة خلال مرحلة معينة من نهوض وهبوط للثورة.

يعتبر الفلاحون – الفقراء و المعدمين في الفكر الماركسي الحليف الموضوعي للطبقة العاملة من أجل تحررها وتحرر المجتمع ككل ، ويولي الماركسيون عناية بالغة لجلب هذه الطبقة الى صفوف الثورة أو لدرء خطرها في لحظات معينة من الثورة ، لقد أغنت الثورة الروسية هذا الاهتمام بمسألة الفلاحين وخاصة ثورة 1905 ، واعطت الثورة الصينية مفهوم جديد لدور الفلاحين في التغيير حيث إعتبرتهم ” القوة الرئيسية للثورة ” وأن طبيعة الثورة الصينية هي ” ثورة زراعية بقيادة البروليتاريا ” .

فهل لازالت للمسألة راهنية في ظل التطورات التي تعيشها التشكيلات الاجتماعية في البلدان المضطهدة والبلدان الامبريالية على حد سواء ؟ وبالنسبة لنا في المغرب هل لازالت لمسألة التحالف العمالي الفلاحي راهنية ؟

لم يظهر اهتمام الماركسية بمسألة الفلاحين فقط مع الثورة الروسية ، بل شكل الاهتمام بمسألة الفلاحين منذ ظهور الماركسية  نفسها ، فقد تناول ماركس وإنجلز حركة الفلاحين بالدراسة خلال ثورات 1848 ، حيث دراسا دور الفلاحين  ومواقفهم  السياسية خلال الثورتين الفرنسية و الالمانية وخلصا  على أن هذه الطبقة ” تعجز عن الدفاع عن مصلحتها الطبقية باسمها الخاص سواء اكان ذلك بواسطة برلمان او بواسطة جمعية وطنية . انهم لا يستطيعون تمثيل انفسهم ولابد ان يمثلهم غيرهم ”

و على ضوء تقييم تجربة كومونة باريس و التغيرات الجذرية التي عرفتها الرأسمالية وانعكاساتها على طبقة الفلاحين ، ايقضت الثورة الباريسية جماهير الفلاحين في صراعها مع طبقة الملاكين الاراضي ووجدت الماركسية نفسها في مركز المسألة الفلاحية ، حيث اعتبر أنجلز أن مهمة الحزب المعبر عن مصالح العمال اتجاه الفلاحين تكمن في الانتباه الى خطورة ترك الفلاح الذي يتهدده الهلاك ، في ايدي حماته الكاذبين ، الذين سيحولونه من خصم خامل للعمال الصناعيين الى خصم نشيط ، واعتبر أنه على الحزب ، لكي يظفر بالسلطة السياسية ، ان يذهب بادئ بدء من المدينة الى الريف ، يجب عليه ان يغدو قوة في الريف، وبهذا بدأت الماركسية تولي الاهتمام البالغ بمسألة الفلاحين ودورهم في الثورة .

في روسيا لم يبدأ اهتمام الماركسيين الروس بمسألة الفلاحين تماما وبصورة عملية  إلا وهم على اعتاب ثورة 1905 حينما طرحت مسألة الثورة على جدول اعمال الثوريين و الثوريات والذهاب رأسا نحو افتكاك السلطة من يد القيصرية ، وقد طرحت مسألة التحالف مع الفلاحين في سياق الاجابة على السؤال التالي : هل يمكن لممثلي الطبقة العاملة الاستفادة من الامكانيات الثورية التي تختزنها طبقة الفلاحين وتحويلها من لحتياطي للبرجوازية كما جرى الحال في أوروبا ، الى احتياطي حليف للطبقة العاملة ؟   

إن طرح هذا السؤال في صفوف الثوار الروس وهم على اعتاب أول ثورة بمضمون ديمقراطي سنة 1905 جاء في سياق تقييم الثورات البرجوازية التي جرت بأوروبا والتي استندت فيها البرجوازية الى الفلاحين لتحقيق ثورتها الديمقراطية ، لكن الوضع الروسي كان مغايرا تماما ، فمهمة تحقيق الثورة الديمقراطية البرجوازية لم تدرج على جدول اعمال البرجوازية الروسية التي كانت حليف للقيصرية ولملاكي الاراضي ، وبهذا انتقلت هذه مهمة من يد البرجوازية الى يد البروليتاريا التي وجب عليها أن تضمن تأييد جماهير الفلاحين وباقي اقسام البرجوازية الصغيرة في المدن لشل تذبذب البرجوازية الليبرالية الروسية خلال الثورة . والحق يقال ان تاريخ الصراع في روسيا ما بين ثورة 1905 و1917 بشقيها كان تاريخ صراع بين الطبقة العاملة ( وممثليها الحقيقيين البلاشفة ) وبين حزب الكاديت ( ممثل مصالح البرجوازية الليبريالية ) حول من يضمن تأييد طبقة الفلاحين .

خلال الثورة الصينية وضعت مسألة الفلاحين في سياق الشروط الملموسة التي كان يعرفها المجتمع الصيني الذي كان مجتمعا فلاحيا بامتياز تشكل فيه جماهير الفلاحين حوالي 80%  من مجموع السكان في مقابل ضعف شديد للطبقة العاملة ، لقد تاه الحزب الشيوعي الصيني في بدايات الثورة خلال عقد العشرينات في تحديد من هي القوى القائدة للثورة الديمقراطية وماهي قوتها الرئيسية وقد زاد من هاذا التيه الوضع الاعتباري الذي كانت تعرفه البرجوازية الوطنية الصينية ، وبعد صراع مرير ومذابح قل نظيرها في صفوف الشعب و الشيوعيين ، اهتدت الثورة الى أن القوة الرئيسية للثورة هم الفلاحون لكن بقيادة الطبقة العاملة فكرا وسياسة وبرنامجا .

خلال سبعينيات القرن الماضي طرحت الحركة الماركسية اللينينية المغربية وخاصة منظمة الى الامام استراتجيتها الثورية على ضوء الواقع الملموس للمجتمع المغربي انذاك ، وقد اعتبرت أن الشكل الرئيسي للصراع من أجل الوصول للسلطة سيعتمد على اسلوب الحرب الشعبية الطويلة الامد التي قومها وقوتها الرئيسية الفلاحون وعمال المناجم في البادية المغربية تحت قيادة الجبهة الثورية لتحالف العمال و الفلاحون ، لكن هذا المنظور للتغيير الثوري كان يعاني من أوجه قصور عديدة لعل أبرزها الاسقاط الذاتي للتجربة الصينية على الواقع الملموس بالمغرب ، مما يطرح مهمة اعادة التقدير لهكذا منظور للتغيير على ضوء التحليل الطبقي الملموس للمجتمع المغربي لاسيما أن المعطيات التي استندت عليها الحملم خلال السبعينات قد تغيرت بشكل كبير ، فحوالي 62%  من مجموع الساكنة في المغرب تتمركز في المدن يشكل فيه العمال والكادحون واشباه البروليتاريا الاغلبية الساحقة مقابل 38%  في المناطق القروية والشبه حضرية يشكل فيها الفلاحون الفقراء و العمال الزراعيون واشباه البروليتاريا غالبيتها ، اضافة الى أن حوالي 15 مليون نسبة من ساكنة المدن تتركز في الشمال و الشمال الغربي، يقابها 12 مليون من الساكنة القروية تتمركز في 8 جهات في الشمال و الوسط و الجنوب الغربي .

إن أي تغيير ثوري يجب أن يتستند الى معطيات و تحليلها بشكل ثوري كذلك ، إن الهدف من هذا العمل هو فتح النقاش الجدي حول هذه المتغيرات و الانطلاق من الواقع الملموس لتحديد أي موقع نريد وماهي طبيعة التحالفات الطبقية التي سيعقدها الحزب المعبر عن مصالح الطبقة العاملة من أجل تغيير ثوري حقيقي يستند على الواقع المعطى و لا يعلى عليه .

Share

اترك تعليقاً