الرئيسية / الأنشطة / ذكرى الشهداء / جورج بوليتزر نموذج المثقف العضوي – زينب السايح

جورج بوليتزر نموذج المثقف العضوي – زينب السايح

Share

زينب سايح

مرت سبعة وسبعون عاما على اغتيال المفكر الشيوعي والمنظر الماركسي جورج بوليتزر من طرف النازية الألمانية إبان احتلالها لفرنسا في الحرب العالمية الثانية.
جورج المثقف العضوي الذي أفنى حياته في خدمة الطبقة العاملة من اجل تنويرها ورفع وعيها من وعي حسي إلى وعي طبقي، وعيا منه بأنها الطبقة الوحيدة القادرة على التغيير، وعلى قلب النظام الرأسمالي ليتحرر المجتمع كله من نير توحشه. هذا المثقف الذي ضحى بحياته لكي يناضل من أجل تحرير فرنسا من يد النازية, اختار النضال الفكري والفلسفي لكي يستطيع تغيير العقليات السائدة من أجل تحرير الفكر وانعتاقه.
ولد جورج بوليتزر في نافيفارود (هنغاريا) عام 1903, وترعرع في كنف عائلة يهودية ومحافظة. في سنة 1918، عندما كان في سن الخامسة عشر سنة انخرط الشاب جورج في الحزب الشيوعي المجري، فلقد تأثر وهو جد صغير بمواقف أبيه المعادية للفلاحين والعمال ليكون هو الدافع الذي جعله ينخرط بقوة في النضالات الإجتماعية.
إبان الكمونة المجرية حيث وصل الشيوعييون إلى السلطة، كان جورج يعمل داخل مستشفى وكان متتبعا للثوار أثناء إخلائهم المدينة بعد سقوط الكمونة اثر الانقلاب الذي قام به الجيش الوطني بقيادة الادميرال ميكلوس هورث الذي احتل مقر الحكومة وأرغم الشيوعيين على الرحيل.الشيء الذي أرغم جورج على الإنتقال إلى باريس ليتمم دراسته العليا بجامعة السربون. بعدها في سنة 1924 أخد الجنسية الفرنسية و بعد تخرجه في الفلسفة سنة 1926, تخصص في علم النفس فانكب على دراسة انتاجات فرود في مجال التحليل النفسي فكتب نقدا لاطروحات فرود سنة 1928 تحت عنوان ” نقد أسس علم النفس الفرودي” ليدافع عن أطرروحته المادية في علم النفس. اشتغل أستاذا للفلسفة و أسس مع هنري لوفيفر وآخرون مجلات نشر فيها دراسات في علم النفس والتحليل النفسي. ناضل في صفوف الحزب الشيوعي الفرنسي منذ سنة 1929 كما أسس مركز التوثيق التابع للحزب وأشرف عليه، وأصبح محررا اقتصاديا في صحيفة (l’Humanité) الصحيفة المركزية للحزب الشيوعي. في سنة 1939 بعد المنع الذي تعرض له الحزب الشيوعي الفرنسي. تابع جورج بوليتزر نشاطه النضالي السري.
كان أحد مؤسسي الجامعة العمالية سنة 1932 رفقة مدرسين شيوعيين آخرين، كانت هذه امتدادا للحزب الشيوعي الفرنسي الذي كان الهدف منها هو تكوين الكوادر العمالية ليكونوا مؤهلين للنضال السياسي وكذلك من أجل محاربة الفكر البرجوازي وتسليحهم بالنظرية الماركسية لدحض كل الاطروحات البرجوازية واللامادية.وكذلك لتلقينهم للمبادئ الفلسفية لفئة عريضة من الشعب التي حرمت من دراسة الفلسفة. كانت الجامعة بداية نشاط بوليتزر في المقاومة حيث أصدر نشرة (الجامعة الحرة) وكتب كراسا بعنوان “الثورة والثورة المضادة في القرن 20”. ومبادئ أولية في الفلسفة الكتاب الذي يمثل لحظة من نضال الفيلسوف الشهيد ضد النازية. وهو عبارة عن مجموعة من الدروس التي ألقاها في الجامعة العمالية في الحرب العالمية الثانية. هذا الكتاب الذي هو عبارة عن ملاحظات سجلهم أحد تلامذته أثناء إلقائه الدرس ونشرت بعد الحرب وترجمت إلى عدة لغات فأصبحت دليلا لتكوين الشيوعيين بعد ذلك. كما كانت الجامعة العمالية فضاءا لتدريس النظرية الماركسية لفائدة العمال والعاملات من اجل توعيتهم وتأطيرهم. ونظرا لكون الطبقة العاملة لا يبقى لها الوقت الكافي للتكوين النظري جراء استغلال وقتها من طرف الراسمالية فان بوليتزر اضطر لتبسيط مبادئ الفلسفة الماركسية حتى يتمكنوا من فهمها، مما جعل بوليتزر يسقط من قاموسه كل لغة فلسفية غير مفهومة، وأسقط كل الألفاظ التقنية التي لا يفهمها إلا المدربون. فلم يكن يريد أن يستخدم إلا الكلمات البسيطة والمعروفة من الجميع، حتى كان يقول أحدهم لفظة خاصة، كان يقوم بشرحها مطولا بأمثلة مألوفة بحيث اعتمد في تدريسه منهج التفسير حتى تصبح الفكرة واضحة, كما اعتمد على أسلوب التأكيد و منهج المقارنة بحيث يقارن بين المادية والمثالية في كل مسألة يناقشها.
كما ألقى المؤلف الضوء على مميزات وخصائص المادية الفلسفية بطريقة مبسطة ومفهومة يسهل استيعابها، الشيء الذي جعله متميزا في دراسته لهذا الموضوع. لكن الأمر لن يستمر على هذا المنوال فسرعان ما تم حل هذه الجامعة من طرف الإحتلال الألماني سنة 1939, غير ان بوليتزر لم يمنعه هذا المنع من مزاولة نشاطه الفكري والنضالي بل لجأ إلى خلق شبكات جديدة للمقاومة فانصب عمله في الكتابة في المجلات الفكرية التي ساهم في إنتاجها ك( الجامعة الحرة ) و(الفكر الحر) وكانت الأعداد الأولى لهذه المجلات بداية لدحض الفكر النازي.
بعد تسريحه من العمل في غشت 1940, اختار جورج العمل السري رفقة زوجته الشيوعية (ماي) والعديد من رفاقه الشيوعيين الذين كانوا ممنوعين من الكتابة ليتفرغ لعمله النضالي داخل الحزب الشيوعي الفرنسي كفيلسوف ملتزم حتى الموت ضد اللاعقلانيين واللاماديين.
وكرجل شغوف بالتنوير, ساهم بجانب رفاقه المثقفين الشيوعيين في النهضة الفكرية وساهموا في انتاج ونشر عدة مجلات فكرية تنويرية وماركسية والتي كان من بينها مجلة pensée libre) (laو (l’université libre) حيث هي الاخرى لقيت منعا في إصدار العديد من أعدادها.
يعد كتابه الثورة والثورة المضادة أسطورة في تاريخ الفكر الشيوعي إلى جانب كتب أخرى ترجمت إلى عدة لغات عالمية.من بينها( البرغسونية، تخريف فلسفي, فلسفة الأنـــوار, مبادئ أولية في الفلسفة وعدة مقالات فكرية وفلسفية واقتصادية ومقالات في علم النفس والتحليل النفسي…).
في 19 فبراير من سنة 1942 تم اختطاف جورج بوليتز رفقة زوجته في بيتهما من طرف كتائب نازية خاصة, هذا المقاوم الشيوعي الذي عارض النازية الالمانية وناضل ضد احتلالها لفرنسا.
اعتقل جورج وزوجته (ماي) و وذاقوا أصنافا من التعذيب وصمدوا أمام الجلاد بشجاعة وبطولية.لم يستسلموا للتعذيب ولا للتهديدات ولا للمساومات حسب شهادة وزير قدماء المحاربين وضحايا الحرب المدنيين في تصريح له يوم 24 أكتوبر 1949. بوليتزر قضى ثلاثة أشهر وهو مكبل بسلسلة في معتقله إلى غاية 23 ماي من سنة 1942 حيث تم إعدامه رميا بالرصاص في في أحد المعتقلات النازية ب (mont Valérien), بينما ماتت زوجته بمرض التيفويد في 3 مارس 1943 في أحد المخيمات النازية.
في الخامس من يونيو 1956 وافقت المحكمة الإدارية بباريس على إعطاء لقب المقاوم المعتقل « interné résistant » لجورج بوليتزر ولزوجته لقب “déporté résistants”. الحكم كان لصالح عائلة بوليتزر بعد ان رفض للمرة الثانية وزير قدماء المقاومين هذا اللقب, لكن بعد معركة قانونية طويلة النفس انتصر الحكم لصالحهما. و عرفانا لمجهوداتهما ولنضالهما الفكري ضد الاستعمار النازي لفرنسا.أطلق اسم جورج وماي على شارع بباريس تم تدشينه يوم 20 نونبر 1999 بالإضافة إلى عدة مؤسسات تعليمية حملت هي الأخرى اسمه عرفانا لهما بالتزامهما النضالي والفكري

Share

اترك تعليقاً