الرئيسية / • وجهة نظر / قضايا الفكر والسياسة / الحريف .. الحركات الشعبية ومهام الاشتراكيين

الحريف .. الحركات الشعبية ومهام الاشتراكيين

Share

عبد الله الحريف

إن أهم ما يتسم به الوضع الحالي هو أن الانعكاسات الاجتماعية الكارثية للاختيارات والسياسات الاقتصادية والاجتماعية للنظام تدفع فئات وشرائح متعددة ومتزايدة من الشعب إلى النضال وتنظيم صفوفها. باستقلال عن القوي السياسية والنقابية والجمعوية، بما فيها المناضلة. أن هذه الحركات تناضل من أجل قضية محددة ( الغلاء مثلا) أو قطاع معين ( التعليم، الصحة، السكن، النقل…) أو قضايا مجتمعية ( النساء، الأطفال، الأقليات الإثنية أو الدينية،البيئة…) أو منطقة أو مدينة مهمشة بأكملها ( الريف، جرادة، اوطاط الحاج…).

ومن أهم سمات هذه الحركات هي تأكيدها على استقلاليتها وابتعادها عن التنظيمات السياسية والنقابية والجمعوية. إن ذلك ناتج، ليس عن فقدان الوسائط الرسمية لأية مصداقية فحسب، بل لانتشار الاحتراز، إن لم يكن العداء، من القوى المناضلة التي يتم وصفها، هي الأخرى، بالدكاكين. ويجب أن نعي أن ذلك نتيجة موضوعية للإفساد والتلغيم الذي مارسه النظام ضد كل قوى المجتمع، وكذلك عن الدعاية المكثفة والممتدة منذ عشرات السنين لفكر ما بعد الحداثة الذي يبخس دور الأدوات الطبقية (الحزب والجبهة كأدوات الصراع السياسي والنقابة كأداة الصراع الاقتصادي للطبقة العاملة) لفائدة الحركات الاجتماعية الأفقية.

ما العمل إزاء هذا الواقع؟ هل ننعزل عن هذه الحركات على أساس أنها تتحفظ منا أو تعادينا وتجرنا إلى معارك جزئية لم تستشرنا قبل خوضها وتستنزف طاقاتنا وتوظفنا لتحقيق مطالب فئوية ضيقة على حساب مشروع التغيير الشامل؟ أم ننخرط فيها على أساس أن مطالبها مشروعة وأن انخراطنا فيها قد يساعد على تغيير رؤيتها للقوى المناضلة وقد يؤدي إلى وعيها، خاصة بعد ما ستتعرض لقمع النظام لعجزه عن تلبية مطالبها، أن نضالها جزء من نضال أشمل، نضال من أجل تغيير النظام المخزني المسئول عن المآسي التي تعيشها كجزء من الشعب المغربي؟

يجب أن لا ننسى أن النيولبرالية مكون عضوي للرأسمال المالي الاحتكاري المضارباتي الذي أصبح مهيمنا. وهو ما أدى إلى إضعاف الدور الاجتماعي للدول لفائدة تضخم دورها القمعي، خاصة في دول المحيط الرأسمالي، وإضعاف الحركة النقابية وأزمة الديمقراطية التمثيلية وهجوم مستمر على أوضاع الطبقة العاملة وكل الكادحين وفئات واسعة من الطبقات الوسطى. كما أن تطور الرأسمالية، خاصة في دول المحيط، يؤدي إلى تهميش مناطق متعددة وشاسعة من خلال تمركز النشاط الاقتصادي والثروة في بضع متروبولات ومدن كبيرة بالأساس.
الشيء الذي يجعل الناس، لحماية أنفسهم من همجية الرأسمالية وفي ظل فقدان الثقة في المؤسسات والأحزاب والنقابات، ينطوون على هوية خاصة، إما مرتبطة بالبنية الفوقية ( الدين، الهوية الإثنية…) أو بفئة معينة أو منطقة مهمشة، وذلك على حساب هويتهم كمواطني ومواطنات دولة معينة وكأعضاء وعضوات هذه الطبقة أو تلك.

لذلك فإن هذه التنظيمات هي، في العمق، تعبيرات موضوعية وقارة وغير عابرة عن مقاومة انعكاسات العولمة الرأسمالية. إنها الشكل الأساسي الذي يتخده الصراع الطبقي حاليا. وبالتالي، فإن من واجب ومسئولية القوى المناضلة الانخراط فيها بقوة لأن تجاوز هذه الحركات لتحفظاتها أو عدائها لكل القوى السياسية والنقابية والجمعوية وانفتاحها على النضال من أجل التغيير يتطلب الصبر من طرف القوى المناضلة وتقديم البرهان، من خلال التواجد الميداني مع هذه الحركات وليس الاكتفاء بالتضامن المناسباتي معها، أنها فعلا لا تسعى إلى الركوب على نضالها لأهداف ضيقة وخاصة بها. وفي نفس الآن، يجب على القوى المناضلة أن توضح لهذه الحركات أن مطالبها، مهما تكون بسيطة، قد لا تحققها، وحتى إذا حققت جزءا منها، فإن النظام سيلتف عليها ما أن تتراجع الحركة. وأنها بالتالي يجب أن تساهم، قدر المستطاع، في النضال العام الذي سيضمن تحقيق وتحصين مطالبها. ولنا في تجارب نضالية عديدة وآخرها حركة 20 فبراير خير دليل على ما سبق.

إن تطوير التضامن النضالي والنقاش الجاد بينها ومع القوى الحية السياسية والنقابية والجمعوية والانخراط الجدي لهذه القوى في هذه الحركات النضالية الشعبية مسألة بالغة الأهمية. لذلك نعتبر أن الهجوم الوحدوي الذي يقوم به النهج الديمقراطي موقف سديد يجب التشبث به رغم كل محاولات تقسيم وتجزيء النضال الشعبي الذي يمكن المخزن بالانفراد به. وقد بدأ هجومنا الوحدوي يعطي بعض الثمار كما هو الأمر بالنسبة لقضية التعليم مثلا. كما نعتبر أن طرحنا بناء الجبهة الميدانية المفتوحة أمام كل القوى الديمقراطية والحية مسألة بالغة الأهمية.
علاوة على ما سبق، فإن الانخراط في هذه الحركات هو أحد أهم الوسائل، بجانب عملنا النقابي والجماهيري، للتجذر وسط الكادحين و الارتباط بطلائعهم. وهو بالتالي يخدم مهمتنا المركزية: بناء حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين.

إن الصراع الطبقي يتخد، الآن وهنا، أساسا، شكل نضالات تخوضها تنظيمات ذاتية شعبية مستقلة عن القوى السياسية والنقابية والجمعوية المناضلة. ومن أهم السيرورات التي يشتغل عليها النهج الديمقراطي سيرورة بناء التنظيمات الذاتية المستقلة للجماهير الشعبية. وفي نفس الآن الذي يلتزم باحترام استقلاليتها وديمقراطيتها ويرفض التعامل الأستاذي معها والنيابة عنها وخوض النضال محلها، يدافع داخلها عن منظوره التقدمي الخاص لأنه يعرف أن هذه التنظيمات تخترقها الأفكار المتواجدة في المجتمع والصراع بين توجهات تعكس مصالح طبقية مختلفة وأحيانا متناقضة ومتناحرة.

هكذا يتبين أن الواقع الملموس للصراع الطبقي في بلادنا الآن يتطلب بناء وتحصين وتقوية وتوسيع هذه التنظيمات وإيجاد تمفصل سديد وقوي بينها وبين القوى الحية السياسية والنقابية والجمعوية. ومن خلال هذا التمفصل ستتشكل الجبهة الميدانية (أفضل أن نتكلم عن الجبهة الشعبية) الحقيقية والفاعلة والتي تشكل حركات النضال الشعبي مقدمتها وهي الجبهة المؤهلة لقيادة النضال من أجل التغيير لأنها الجبهة التي تضم أوسع القوى المناضلة التي في مصلحتها التغيير وهي بالتالي الجبهة التي يجب أن تحضى بالأولوية في عملنا. إن بناء هذه الجبهة الشعبية يتعرض للعرقلة بسبب فيتو فيدرالية اليسار الذي هو أحد الخطوط الحمراء للنظام. إن أي تأخر في بناء هذه الجبهة سيكون له أوخم العواقب على النضال من أجل التغيير.

إن السيرورة الثورية في السودان تبين، بما لا يدع مجالا للشك، أن توفر قيادة تضم قوى سياسية، يسارية ولبرالية وإسلامية معتدلة، ونقابية وحركات اجتماعية ومجتمعية، لها برنامج واضح لتغيير النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي القائم تصرفه تدريجيا بواسطة شعارات ملائمة لكل فترة مسألة حاسمة. فتوفر هذه القيادة على برنامج جعلها قادرة على الحفاظ على المبادرة وعدم الاكتفاء بطرح ضرورة رحيل رأس النظام، بل طرح البدائل المناسبة لكل فترة. هذه القيادة التي افتقدت لها حركة 20 فبراير.

كما تتميز الثورة في السودان بالدور الريادي للحزب الشيوعي السوداني الذي يواجه بحزم كل محاولات الالتفاف على الثورة وشق وحدة تحالف “قوى إعلان الحرية والتغيير”، مستلهما دروس التجربة الطويلة والمريرة للحزب والطبقة العاملة والكادحين السودانيين مع النظام الدموي. وهو ما يؤكد سلامة موقفنا بضرورة مضاعفة الجهود والاجتهاد والنضال للقيام بنقلة نوعية في سيرورة بناء حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين.

وخلاصة القول، تتمثل أولوياتنا في:

– رفع الأداء للقيام بقفزة نوعية في بناء حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين الذي يشكل الضمانة لكي لا ينتكس التغيير المنشود. فالحراكات الشعبية والنضال النقابي ونضال التنسيقيات وغيرها من الحركات النضالية وباقي أشكال نضال الطبقة العاملة وكافة الكادحين في حاجة إلى هذا الحزب الذي يساهم بقوة في توحيد نضالهم ويسعى إلى إعطائه أفقا سياسيا يتمثل في التخلص من المخزن على طريق بناء الدولة الوطنية الديمقراطية الشعبية. كما أن بناء هذا الحزب سيلعب دورا إيجابيا في تصحيح الحركة النقابية وجعلها تخدم الطبقة العاملة عوض استخدامها وفي بناء تمفصل سديد بين أدوات الصراع الطبقي للطبقة العاملة ( النقابة كأداة للصراع الاقتصادي والحزب والجبهة الشعبية كأداتين للصراع السياسي) والتنظيمات الذاتية المختلفة للكادحين، وفي مقدمتها حركات النضال الشعبي.

– العمل الجاد والمثابر لبناء الجبهة الشعبية، من خلال النضال الصبور لتوحيد كافة روافد النضال الشعبي حول برنامج للتغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي يكثف التصور المشترك للتغيير ويصرفه بواسطة التركيز، في كل فترة، على عدو أساسي واحد. ونعتقد أن المخزن هو العدو الأساسي، في الفترة الراهنة، لكونه عمل الالعقبة الكأداء أمام أي تغيير لصالح الشعب.هذه الجبهة التي تبنى على أساس سياسي (البرنامج) وليس أيدلوجي من كل الطبقات والفئات والشرائح الاجتماعية والقوى الحية، أيا كانت مرجعيتها الفكرية أو موقعها الطبقي، المتضررة من ذلك العدو. هذه الجبهة التي يمكن أن تضم القوى اللبرالية المعبرة عن مصالح البرجوازية المتضررة من المافيا المخزنية والتي ترفع شعار الفصل بين الثروة والسلطة والقوى الإسلامية المناهضة للمخزن والغير تكفيرية والغير التبعية للخارج والقوى اليسارية والحراكات الشعبية والحركات الاحتجاجية والاجتماعية والنقابات المناضلة ومنظمات المجتمع المدني الجادة. إن الجبهة الشعبية ليست تنسيقا لخوض معارك مشتركة فقط، بل كجبهة للتغيير يجب إن تقدم البديل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي للنموذج التنموي الرسمي الذي فشل فشلا ذريعا. إن أحد نواقص حركة 20 فبراير أنها لم تكن تتوفر على قيادة توافقت على بديل مكتفية ( أي حركة 20 فبراير) بشعارات فضفاضة: حرية، كرامة، عدالة اجتماعية.

– الانخراط في الحركات الشعبية ومواجهة التوجهات الفئوية الضيقة والعداء للعمل الحزبي والنقابي والجمعوي المناضل وترسيخ الفكر النضالي الوحدوي داخلها، من خلال مد الجسور بنيها ومع القوى المناضلة الأخرى، واحتضان ضحايا القمع الموجه ضدها.

– إعطاء أهمية كبرى للحوار العمومي وتركيزه على بلورة برنامج للتغيير، على غرار السودان.

– الصراع ضد اليسراوية التي تتجسد في طرح الشعارات والأهداف الثورية دون تحديد كيفية تحقيقها في الواقع الملموس: أي دون التوفر على الإستراتيجية الثورية والتكتيكات والتحالفات وضد النزعة اليمينية التي تنظر للقبول بالوضع القائم باسم الاستقرار أو الترويج لإمكانية إصلاح النظام من خلال العمل في مؤسساته التمثيلية والفوضوية والنزعات الهوياتية الانعزالية المتطرفة.

Share

اترك تعليقاً