الرئيسية / • وجهة نظر / أقلام وآراء الشبيبة / صندوق النقد الدولي: افقار الكادحين/ات تحت شعار محاربة الفقر -سعد مرتاح

صندوق النقد الدولي: افقار الكادحين/ات تحت شعار محاربة الفقر -سعد مرتاح

Share

صندوق النقد الدولي:

افقار الكادحين/ات تحت شعار محاربة الفقر

سعد مرتاح

   يعتبر صندوق النقد الدولي من أبرز المؤسسات المالية الدولية حديثا في الفترة الأخيرة خاصة بعد الأزمة الاقتصادية وما تلاها من نتائج وتدخلاته المستمرة والمتكررة والملاحظ دائما أنه كلما قدم الصندوق مساعداته والتي هي عبارة عن قروض بهدف التنمية والزيادة في النمو إلى بلد معين إلا وزادت نسبة الفقرة والمديونية في هذا البلد. ليتأكد في الأخير أن الهدف ليس هو مساعدة الدول بل تكريس تبيعيها لدول المركز الامبريالي وأن هدفه أيضا ليس هو محاربة الفقر بل محاربة الفقراء، وهذا المقال سيتطرق إلى السياق التاريخي الذي تأسس فيه صندوق النقد الدولي، وأيضا البرامج وخلفياتها السياسية والأيديولوجية التي يفرضها صندوق على الدول المعنية، ثم الأثار الاجتماعية والسياسية لهاته البرامجأأن

I- لمحة تاريخية :

    تعود الجذور التاريخية لتأسيس صندوق النقد الدولي إلى أواخر الحرب العالمية الثانية حين انعقد مؤتمر بروتن وودز في يوليوز 1944 بولاية نيوهاميشير في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان من الأهداف الرئيسية لهذا المؤتمر هو بناء نظام نقدي دولي جديد قادر على إعادة التوازن لميزان المدفوعات وتنظيم المبادلات المالية على المدي الطويل بين الدول، وجاء في ظروف اتسمت أساس بانتهاء هيمنة بريطانيا على المشهد الرأسمالي العالمي وتحول هذه الهيمنة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
   وقد نتج عن هذا المؤتمر اتفاقيات أنشئت بموجبها صندوق النقد الدولي والبنك العالمي يمنح البنك العالمي القروض طويلة المدى بينما يتكلف صندوق النقد الدولي بمهمة تأمين الاستقرار في ميدان الصرف ومراقبة تحولات العملات فيما بينها.

   ومن الناحية الرسمية فإن اتفاقية تأسيس الصندوق تهدف إلى تشجيع التعاون الدولي وتيسير التوسع في التجارة الخارجية وتحقيق الاستقرار في أسعار الصرف بالإضافة إلى مساعدة البلدان المأزومة على تجاوز ما تعانيه من مشاكل. ومن خلال هاته العبارات قد يتبين للوهلة الأولى أن صندوق النقد الدولي بمثابة مؤسسة مالية دولية تعمل بحيادية ولا تخضع لأي عوامل سياسية في حين إن صندوق النقد الدولي كما سيتبن كان ولا زال منذ تأسيسه إحدى المؤسسات التي أنشأنها الامبريالية الأمريكية لفرض هيمنتها الاقتصادية على العالم وتكريس تبعية الدول ويكفي لتأكيد هذا، الإشارة فقط أن الصندوق يقدم هذه المساعدات منذ 5 عقود لبعض الدول في حين يزداد الفقر ومديونية الدول تفاقما. وأيضا إلى التطرق للكيفية التي توزع بها حقوق التصويت داخل هياكل الصندوق. حيث نصت أحكام الصندوق على ان لكل دولة عضو 250 صوتا + صوت واحد لكل مائة ألف ألف دولار من حصتها. أي كلما زاد عدد الحصص لدولة ما لدى الصندوق ازداد تأثيرها على توجيه سياسته لصالحها. وعلى هذا الأساس كان حوالي ثلثي الأصوات تسيطر عليها الدول الرأسمالية المتطورة وأغلبية هاته الأصوات مجتمعة تسيطر عليها أمريكا.

   واستمر نظام بروتن وودز قائما إلى حدود غشت 1971 حين أعلن الرئيس الأمريكي نيكسون في خطابه الشهير الذي دام 18 دقيقة تخلي بلاده عن قابلية تحويل الدولار إلى الذهب نتيجة العجز المستمر في ميزان دفوعاتها الذي أدى إلى التقليص بشدة من احتياطات الذهب في خزينة الأمريكية. وتعويضه بنظام قائم على مبدأ تعويم العملات وتحرير حركة رؤوس الأموال من الرقابة المفروضة عليها من طرف الدول، وبالنظر للظرفية الاقتصادية الدولية آنذاك المتسمة أساسا بارتفاع أسعار البترول وتفاقم أزمة المديونية في العديد من دول المحيط، كل هذا أدى بصندوق النقد الدولي بأن يصبح قوة دولية مهيمنة يعمل على إحداث تحول عميق في الهياكل الاقتصادية والاجتماعية لبلدان المحيط خاصة تلك التي سقطت في فخ المديونية إذ من 1978 ستصبح الاستفادة من قروضه مرهونة بتطبيق سياساته وإملاءاته.

II- منهجية عمل صندوق النقد الدولي وآثارها

    تعتبر برامج التقويم الهيكلي من أشهر البرامج التي طرحها الصندوق وفرضها على الدول الدائنة، وهي التي سيتم التركيز عليها في هذا المقال باعتبارها هي التي أظهرت الوجه أو الخلفيات الحقيقية لصندوق النقد الدولي.

   ففي سنة 1979 عرض صندوق النقد الدولي على العالم (برامج التقويم الهيكلي) باعتبارها ستصبح أداة ومؤشرا يشير بنحو بين إلى الى الاتجاه التي يسلكه الصندوق من تلك الفترة الى حد الان، وان هذه البرامج تهدف الى تحقيق مبادئ النيوليبرالية الأربع: ليبرالية- تحرير- استقرار- خوصصة.

 ومنه فان هذه البرامج اعتبرت بمثابة شروط عامة مسبقة ستفرض على جميع الدول طالبة الائتمان ومنه يمكن القول ان صندوق اضفى المنهجية في اشتغاله، كما ان كل واحدة من هذه الشروط كانت بالنسبة للطبقات الكادحة والشعبية كارثية. ومن أهم هذه الشروط:

1- خفض قيمة العملة الوطنية وذلك من أجل تعزيز القدرة التنافسية في الاسواق العالمية:

  ان خفض قيمة العملة سيؤدي الى تدهور القدرة الشرائية لدى السكان، وذلك لأنه تعين عليهم منذ الان دفع أسعار أعلى على السلع الأجنبية، كما أن هذا الاجراء كان بمثابة حلم رأسمال الأجنبي فمنذ ما عليه سوى الاقتراض بعملة أجنبية في وقت مناسب، والانتظار فترة زمنية معينة ليجني ربح يساوي بالتمام معدل تخفيض العملة الوطنية.

2- الوصول إلى حالة التوازن في ميزانية الدولة وذلك من خلال انتهاج خطة التقشف المالي:

    ان هذا الاجراء كانت ما اهم نتائجه تقليص الإنفاق على قطاع التعليم والصحة في بلدان هي أصلا تعاني من نقص شديد في تمويل هذه القطاعات، مما سيؤدي إلى تخفيض المصادر المالية الضرورية لعمل المدارس والمستشفيات الحكومية، الشيء الذي ترتب عنه أيضا تقاضي الرسوم من الطلبة المسجلين في مدارسها، وتقليص الخدمات الصحية المقدمة بالمجان (إن لم نقل إلغائها)، كما ان هذا الاجراء ترتب عنه إلغاء الدعم المالي المخصص لمواد الوقود رغم أن هذا سيجعل الكثير من عائلات الطبقات الشعبية دون وقود والأخطر أيضا أنه سيتم تقليص الدعم المالي المخصص للمواد الغذائية.

3- رفع معدلات الفوائد بغية الحد من حجم الائتمان الداخلي:

    إن الحد من حجم الائتمان الداخلي يؤثر على الكثير من المشاريع الزراعية والحرفية الصغيرة، أي المشاريع التي يتوقف وجودها على حصولها على قروض ميسرة. مما أجبر العديد من هذه المشاريع على إعلان إفلاسها وتسريح العاملين لديها. وللإشارة إن إفلاس هذه الشركات سبب تفاقم في البطالة

4- إلغاء القيود على الواردات السلعية وتداول العملات الأجنبية

    هذا الإجراء أدى إلى تدفق رأس المال الأجنبي والسلع الأجنبية على البلد المعني دون أي قيد أو شرط وإغراق الاقتصاد المحلي بسلع زهيدة الثمن. أدى إلى افلاس جل صغر المزارعين بالخصوص بكون عدم قدرته على منافسة الشركات الدولية العملاقة المنتجة للمواد الغذائية وكانت نتيجة موجات الإفلاس هذه تجول البلدان الإفريقية بالخصوص من بلدان تصدر المواد الغذائية إلى بلدان متوردة اهذه المواد حتى اليوم الحاضر.

5- تعزيز تخصيص الاقتصاد الوطني بإنتاج بعض السلع القابلة للتصدير:

    هذا إجراء جعل الدول المعنية تخضع إلى التبعية نشأت عنها نتائج وخيمة في الظروف التي اتسمت بانخفاض الأسعار في السوق العالمية ترتب عنها تدهور في الموارد المالية المتأتية من التصدير. كما أن التركيز على بضع السلع القابلة للتصدير دفع القطاع الزراعي إلى التخلي عن زراعة مواد غذائية أساسية.

6- إلغاء القيود المفروضة على الاستثمارات الأجنبية:

    أدى إلى اغلاق العديد من المصانع المحلية، بسبب عدم قدرتها على منافسة مشاريع تتفوق عليها تفوقا كبيرا من حيث القوة المالية والكفاءة التكنولوجية والإمكانات اللوجستية. الشيء الذي ترتب عنه ليس ضعف الاقتصاد الوطني فحسب بل تدمير شيء اسمه الاقتصاد الوطني فتعمقت التبعية وصار البلد المعني تحت رحمة الشركات الأجنبية وهنا يتضح كيف تحولت الامبريالية من تدخل عسكري إلى تدخل مالي أنجع واقل خطورة ولا يتعرض لأي مقاومة شعبية.

7- خوصصة المشاريع الحكومية وأملاك الدولة.

    هذا الإجراء محكوم بمنطق النظام العالمي الجديد المبني على “المرجعية النيوليبرالية” التي تكرس دولة التخلي وخوصصة عموم القطاعات الاجتماعية ورهنها بيد الرأسمال ملكية وتدبيرا وتسييرا وتقريرا ومنه فان مشاريع أساسية كالكهرباء والمياه والنقل العمومي قد صار تحت رحمة مستثمرين ومضاربين، همهم الوحيد هو الربح غير أبهين بالنتائج الاجتماعية المترتبة عن سياساتهم.

        وسواء تم التركيز على هذا الاجراء أو ذاك من إجراءات صندوق النقد الدولي فالنقطة الوحيد المستخلصة هو أن جميع هذه الاجراءات القائمة على المرجعية النيوليبرالية أنها حملت جماهير الطبقات الشعبية أضرارا فادحة بالمقابل أدت إلى غنى فاحش في حفنة من الرأسماليين وأيضا ساهمت ان لم نقل أدت الى تبعية البلد المعني إلى الأسواق العالمية.

    ان تطبيق هذه البرامج السياسات المبنية على المرجعية النيوليبرالية قابلته مظاهرات صاخبة في معظم الدول التي تبنت هذه البرامج فالفترة الواقعة بين 1979 إلى الآن عرفت موجات غضب واحتجاجات وسلسلة من الإضرابات والانتفاضات غاضبة في أكثر من 60 بلدا وذلك احتجاجا على سياسات التقشف التي نفذتها حكومات وانظمة هذه الدول استجابة لشروط الصندوق كما عرفت مقتل عشرات الألاف هذه الاحتجاجات.

ففي الارجنتين اندلعت احتجاجات جماهيرية ضد مناشدة صندوق النقد الدولي حكومة الارجنتين على تجميد الأجور لفترة أمدها 180 يوما كخطوة أولى لمواجهة التضخم وتخفيض الدين الخارجي وبعد استلاء الجيش على السلطة 1976 شرع في فرض نظام حكم إرهابي فقابل هذه الاحتجاجات بالأسلحة والجيش مما راح ضحيتها 20 ألف مواطن على الأقل، وفي مصر في سنة 1977 اندلعت مظاهرات تطالب بعدم حذف الاموال التي تخصص كل عام لدعم أسعار المواد الغذائية الأساسية في هذه الاحتجاجات قتل 79 متظاهرا. وفي المغرب اندلعت انتفاضة سنة 1981 كان سببها الغاء النظام للدعم المخصص للمواد الغذائية الأساسية مقابل الحصول على قرض قيمته مليار دولار هذه الانتفاضة قوبلت بالحديد والنار من طرف قوات الامن فعرفت مقتل ما يزيد عن ألف كادح وكادحة كأقل تقدير.

Share

اترك تعليقاً