الرئيسية / قضايا وطنية / اقتصاد / الاستثمار المغربي بإفريقيا جنوب الصحراء .. المصدر والمآل

الاستثمار المغربي بإفريقيا جنوب الصحراء .. المصدر والمآل

Share

يتساءل الكثير، من المتتبعين(ات) للشأن السياسي والاقتصادي المغربي، بما يشمل المناضلين والمناضلات، عن الاستثمارات المغربية في إفريقيا، عن دلالاتها وأهدافها والخيوط التي تحركها، في هذا البحث الذي ينشره موقع شبيبة النهج الديمقراطي، يتطرق الرفيق الحسين لعنايت لموضوع الاستثمار المغربي بإفريقيا جنوب الصحراء، ويحاول الإجابة عن سؤال المصدر والمآلات.

الاستثمار المغربي بإفريقيا جنوب الصحراء .. المصدر والمآل

الحسين لعنايت

I – افريقيا جنوب الصحراء

يتعلق الامر أساسا بالمستعمرات الفرنسية التي تنتمي الى ما يسمى ب “المجموعة النقدية الافريقية” (CFA) التي تتكون من 14 دولة.
تأسست هذه المجموعة على يد فرنسا الاستعمارية بعد الحرب العالمية الثانية ووضعت لها عملة موحدة “الفرنك” في ظل شروط يصفها عدد من الاقتصاديون الأفارقة المعاصرين ب “العبودية النقدية”، هذه العبودية التي تستمر الشعوب الافريقية في الانتفاضة ضدها بين الفينة وأخرى.

شروط هذه “العبودية النقدية أربعة، وهي:

I – 1 قيمة الفرنك الافريقي لا تتغير الا بتغيير قيمة الفرنك الفرنسي (وبعده الأورو الأوروبي) سواء برغبة من الدولة الفرنسية(البنك الاوروبي) او بانعكاس للتقلبات المالية الدولية على الأورو الاوروبي.

I –2 لضمان استقرار هذه “العملة” لا تستثمر الدول المعنية مجمل محاصيلها من العملة الأجنبية في اقتصادياتها الوطنية، بل هي ملزمة بان تودع نصف محاصيلها من العملة الأجنبية بالخزينة الفرنسية بباريس.

I –3 يتكلف “بنك فرنسا” بضرب عملة الفرنك الافريقي كما يحدد حجم سيولة الأوراق المالية المتداولة في المجموعة

I –4 يمكن للأشخاص الذاتيين وللأبناك وللشركات ان تحول أموالها وارباحها في اتجاه فرنسا دون أي حاجز جمركي او قانوني

في بداية التسعينات (1994) خفضت فرنسا قيمة عملة الفرنك الافريقي بنسبة 50 بالمائة من قيمتها الاصلية ولكي تضبط هيمنتها المالية على المجموعة قسمتها الى مجموعتين منفصلتين ماليا. مجموعة “افريقيا الغربية UMEOA” وتضم 8 دول و”مجموعة وسط افريقيا CEMAC ” لكل واحدة من هاتين المجموعتين “فرنكها” الخاص وبنكها المركزي الخاص وحدودها الجمركية ومبادلاتها التجارية تحت مراقبة الخزينة الفرنسية.

سنة 1962 خرجت مالي من هذه المجموعة لان الزعيم الافريقي “مودي بوكيتا” رفض الهيمنة المالية للدولة المستعمرة وتبنى عملته الخاصة “الفرنك المالي” لكن فرنسا فرضت عليه حصارا اقتصاديا منذ سنة 1962 الى ان حصل انقلاب عسكري تزعمه الديكتاتور “موسى تراوري” سنة 1978 وارجع مالي الى حظينة فرنسا بتبني فرنك مجموعة دول غرب افريقيا سنة 1984 . كما عرفت الهيمنة المالية لفرنسا على المجموعة مواجهة رئيس غينيا-كوناكري “احمد سيكو توري” الذي قطع علاقاته مع فرنسا لمدة 5 سنوات تعرض خلالها لعدة محاولات انقلابية الى ان توفي سنة 1984. قائد أخر من رعيل شباب ما بعد “الاستقلالات” واجه هذه “العبودية المالية” حيت صرح في احدى خطاباته ان”البورجوازية الرأسمالية الفرنسية تبنى ثرواتها باستغلال شعوبنا من خلال هذه العلاقة، هذه الهيمنة النقدية”. تصريحات أخرى لنفس المناضل وهو “توماس سانكارا” أججت مناهضة الشعوب الافريقية للفرنك الافريقي أدت الى اغتياله بتواطئ من فرنسا، في يوم 15 أكتوبر 1987 ، ما تزال فرنسا في عهد “ماكرون” تتملص من تسليم الوثائق السرية التي تؤكد تورط فرانسوا ميتران وحاشيته في الاغتيال.

II – السيداو: المجموعة التي يريد المغرب ان يندمج فيها

بعد حرب سنة 1973 بين الدول العربية والكيان الصهيوني ارتفع سعر برميل البترول في السوق الدولية ما جعل دولة نيجيريا الدولة البترولية يرتفع دخلها القومي ما جعلها تحتل مركزا خاصا في الوسط الافريقي. نيجيريا تحتل في سنة 2017 الصف 27 في مجال الدخل القومي المرتفع ويصل عندها الى 471 مليار دولار.

سنة 1975 انعقد بعاصمة نيجيريا لاكوس اجتماع لتأسيس “المجموعة الاقتصادية لدول غرب افريقيا CEDAO” التي تتشكل من الدول الثمانية الأعضاء في مجموعة “دول غرب افريقيا” التي عرفنا بها أعلاه إضافة الى دول أخرى من بينها بعض المستعمرات البرتغالية السابقة.

حصة نيجيريا من الدخل القومي للمجموعة يمثل 75 بالمائة و73 بالمائة من صادرات المنطقة و41 من وارداتها تليها من بعيد دولة غانا، كما ان 60 بالمائة من الاستثمارات الخارجية نحو سيداو تستقطبها نيجيريا و18 بالمائة لغانا.

صادرات المغرب الى منطقة سيداو تمثل سنة 2017، 3,8 من مجموع صادراته نحو الخارج ويشكل الفوسفاط القسط الأكبر منها، كما ان واردات المغرب تهم أساسا المنتوجات البترولية من نيجيريا.

فخلال العشر سنوات الأخيرة أصبح النفوذ المالي الفرنسي يتراجع في “محميته” السابقة، ففي سنة 2016 احتلت المرتبة الرابعة ب 5 مليار دولار امريكي (هنا نذكر ان 18 بالمائة من مجموع استثمارات فرنسا بافريقيا خصصت للمغرب) بعد بلجيكا وهولاندا والصين التي تصدر للمجموعة 16 مليار دولار. صادرات السنيغال الذي هو عضو في السيداو تقدر ب 900 مليون دولار وحصة المغرب الذي يطمح للاندماج تقدر ب 700 مليون دولار.

كما ان واردات فرنسا من يورانيوم النيجر الذي تسيطر عليه شركة “اريفا” توقفت بعد اغلاق اليابان لجميع محطاته النووية وقدوم المانيا على نفس العملية. توقف كذلك استيراد فرنسا للكاكاو من كوت ديفوار الذي قضت زراعته على 94 بالمائة من الغطاء الغابوي بهذا البلد.

III – فرنسا وخطة مواجهة الصين في سيداو

فرنسا، لمدة تجاوزت قرنا من الزمن عملت على عرقلة وضع مقومات اقتصاد مستقل بمستعمراتها الافريقية ووجهت اقتصادياتها الى انتاج المواد الأولية. ووظفت آلتها العسكرية في دعم الأنظمة الديكتاتورية ووأد طموحات الشعوب في التحرر بما يقوي أرباحها ويجعل خيرات افريقيا غنيمة في حيازتها.

دخلت الصين بقوة الى القارة (انظر المقال حول الصين وافريقيا في العدد 282 بجريدة النهج الديمقراطي) واتبعت سياسية اقتصادية مختلفة عن السياسة الاستعمارية التي اعتمدت على المدفع للإبادة وبعده السكة الحديدية لانتزاع الخيرات وتليها الابناك لمراكمة فائض القيمة الناتج عن المواد الأولية المستخرجة وعن قهر الناجين من الإبادة…

امام الزحف المالي والاقتصادي الصيني، 20 مليار دولار من الاستثمار في نيجيريا لوحدها خلال هذه السنة، تحاول فرنسا ان تحافظ على الأساسي من مستعمراتها في “المجموعة النقدية لغرب افريقيا”.

بما ان الامر لا يتعلق بإرسال جنود وتعبئة مرتزقة بل الى قدرة مالية وطاقة إنتاجية وابتكارية، سيتم البحث على موطن لوضع تدابير “المواجهة” لن يسمح بها القانون الفرنسي ومجتمعه المدني. وبما ان فرنسا لها نفوذ هائل على القرار السياسي والاقتصادي المغربي لكونها تملك حصة الأسد بما يفوق 61 بالمائة من الاستثمار الخارجي في المغرب، تم اختيار هذا البلد، من طرف الرئيس السابق “فرانسوا هولاند” ومستشاريه من مخططي السياسة النيوكولونيالية مثل “هوبير فدرين”، لجعله ورشة تهيئ عتاد المواجهة مع الصين. وذلك بالعمل على تأسيس شراكة بين قوى مالية مؤثرة متعددة الجنسيات، ولها “مداخل” لذا النخبة الافريقية، تستثمر في مجال الصناعيات الغذائية وتركيب السيارات وقطاع الغيار والسيولة البنكية والتأمينات والنقل والاستيراد والتصدير والسياحة… ولهذا الغرض يتم جلب أموال الخليجين المستثمرين وتشجيعهم على الاندماج بالرأسمال الفرنسي على ارض المغرب لجعل الدار البيضاء محطة مالية تنطلق منها الرساميل للانتشار في افريقيا من خلال قاعدتها “القطب المالي الدار البيضاء” الذي تأسس بموجب القانون 40-10 بهدف استقطاب الأموال العالمية وتنظيم انطلاقها نحو افريقيا. كما شجعت فرنسا مؤسساتها المالية الاستثمارية بافريقيا على الاندماج اكثر بالرأسمال المغربي العامل بأفريقيا وذلك بعقد شراكات مع الابناك المغربية الأساسية والتي لها نفوذ ومداخل بالدول الافريقية…

وبالمناسبة فوزير المالية المغربي كما هو شأن والي بنك المغرب هم أعضاء في مجلس إدارة “القطب المالي الدارالبيضاء” الذي ينص الفصل 16 من قانونه المؤسس على ان “من يفشي اسرار اجتماعات هياكل القطب ويفصح عن قراراته سيعاقب طبقا للقانون الجنائي المغربي”، ما يعني ان وزير المالية لا يمكنه ان يخبر بقرارات “القطب” المذكور ولو كانت تصب في اتجاه مخالف لما سطره “البرنامج الحكومي” في مجال الاستثمار والجمارك والضرائب التي يستفيد من امتيازاتها “القطب المالي الدارالبيضاء” بما يرضي الشركات المغربية والأجنبية العضوة بالقطب.

هل ستنجح فرنسا ؟ في تكثيف جهود كل هذه الأموال، التي سنفصل في مصادرها خاصة فيما يتعلق بالأموال المغربية، في مواجهة المنافسة المالية الصينية التي مصدرها الإنتاج وليس الريع والاختلاس والتي أصحابها الذين لا ننكر عليهم طبيعتهم الرأسمالية لكنهم تحرروا من عقدة التعالي والاحتقار الاستعماري للشعوب الافريقية.

ام ان النتيجة لن تؤدي الا الى تمكين الأموال المغربية من الاستفادة من الشرط 4 من بين الشروط الأربع المتعلقة بتأسيس منطقة “الفرنك” الافريقي (انظر اعلاه) كي تسافر في واضحة النهار الى الابناك الفرنسية

IV – مصدر الرساميل والشركات المغربية المستثمرة في افريقيا

إن التدخل العسكري بالمغرب، بموجب اتفاقية الحماية ل 30 مارس 1912، سبقه استعمار مالي بقيادة “بنك باريس والبلاد المنخفضة BNP”، انه استعمار في عهد الامبريالية التي عرفها “رودولف هيلفيردين” سنة 1910 في كتابه “الرأسمال المالي” معتبرا “ان الحملات الاستعمارية في السابق تتوخى خلق أسواق جديدة للمواد الاستهلاكية اما اليوم فالاستثمارات المالية تتجه أساسا نحو القطاعات التي توفر المواد الأولية للصناعة”. في سنة 1916 كتب لينين “الرأسمالية الكلاسيكية تتميز بتصدير المواد الاستهلاكية، اليوم في عهد الامبريالية يصبح تصدير الرساميل مهيمنا”. فمنذ 1870 والأبناك الأوروبية تقدم قروض للسلاطين لتلبية رغباتهم في التبذير اللامتناهي للبلاط وحاشيته مقابل التراخيص للتنقيب عن المعادن والاستفادة هم ووكلاؤهم المغاربة من الإعفاءات الجمركية في اطار ما اصطلح عليه ب”الباب المفتوح”. هذا ما جعل خزينة المخزن تفتقد لكل مواردها الا فيما تعلق منها بما يفرض من ضرائب على القبائل التي تدخل تحت السيطرة.

في سنة 1901 حاول السلطان ان يفرض ضريبة “الترتيب على المساحات المزروعة” لجمع ما يؤدي به فوائد الديون المتراكمة لمدة 30 سنة، لكن انتفاضة القبائل سلبته من كل هيبة ومورد الى أن وصل الامر بالسلطان عبد الحفيظ الذي تولى الحكم بعد عزل السلطان عبد العزيز، ان يقترض من اجل أداء فوائد القروض.

امام ضعف المخزن وعزلته وتدني هيبته، تجاه القبائل الثائرة، سارعت بنك باريس التي تمتلك أكبر حصة من القروض وفرضت تأسيس “بنك الدولة المغربيةBEM” سنة1906 ، على اثر اتفاقية الجزيرة الخضراء، تساهم فيه الدول الدائنة، ويتكلف بجميع الجوانب المالية من تحصيل الضرائب الى ضرب العملة المحلية.

ما بين 1901 و 1910 تدفقت أموال بنك باريس نحو المغرب وبعد ان حصل البنك على أغلبية الأسهم في بنك المغرب وتفاوضت معه الحكومة الفرنسية عن مقابل دعمها العسكري والامني (تلك المفاوضات تبين مدى جبروت الرأسمال المالي التي ستظهر بقوة عند الأبناك الكبرى منذ 1980) تقدمت فرنسا بعقد للحماية يتضمن عدة فصول نلخصها كما يلي: ” التعاون المشترك لإعادة تنظيم القطاع المالي بما يضمن حقوق الدائنين والحصول على الموارد المالية للخزينة الشريفة. مقابل ذلك تلتزم “الجلالة الشريفة” بعدم ابرام عقود اقتراض عمومية او خاصة كيفما كان نوعها والالتزام بعدم تفويت ملك ما او عقد اتفاقية دولية بدون ترخيص مسبق من الحكومة الفرنسية. كما تضمن الاتفاقية موافقة السلطان والمخزن على الاحتلال العسكري للأراضي والمياه المغربية حفاظا على النظام العام وضمان حرية المبادلات التجارية. بدورها تلتزم الحكومة الفرنسية بالدعم المستمر ل”الجلالة الشريفة” ضد أي خطر يتهدد شخصه وعرشه… نفس الدعم يقدم لولي عهده ولكل من يلي بعده”.

هذه الاتفاقية أسست للتعايش بين نظامين بالمغرب، النظام الاستعماري والنظام المخزني تربط بينهما مصالح مالية. ففي كل المناسبات يتوافد القياد والاعيان خدام الاستعمار على القصر لتقديم البيعة للسلطان.

بموجب عقد الحماية أصبحت بنك باريس والبلدان المنخفضة تتحكم في قطاعات هامة من الاقتصاد الكولونيالي بجانب “الشركة العامة للمغرب” و”امنيوم شمال افريقيا” بمساهمة خادم الاستعمار بالجنوب المغربي عائلة الكلاوي ولاليونيز توزيع الماء والكهرباء التي ستعود للمغرب بعد 90 سنة تحت اسم “فيوليا” كما ستتجه نحو افريقيا هي وشركة “انجي” الفرنسية بشراكة مع “نافيرا” التابعة للهولدينك الملكي “المدى”.

بعد الانتفاضة العمالية بالدارالبيضاء لسنة 1952 للتنديد باغتيال القائد النقابي التونسي فرحات حشاد والتي ستكون بمثابة إعلان انطلاق الكفاح المسلح من طرف الطبقة العاملة والكادحين المنحدرين من القبائل التي قاومت دخول الاستعمار حتى حدود سنة 1934 ، إضافة الى صلابة المقاومة التونسية وتصاعد تأثير جبهة التحرير الجزائرية الذي نتج عنه التنسيق بين حركة المقاومة للشعوب المغاربية، موازاة مع بروز حركة التحرر الوطني بجنوب شرق اسيا بدعم من الاتحاد السوفياتي والحركات الشيوعية الناشئة، أضف الى ذلك ظهور أمريكا كقوة مهيمنة داخل القطب الامبريالي الغربي والتي لديها أطماع في التوسع الاقتصادي والمالي داخل مستعمرات حلفائها الإمبرياليين المنهكين بالحرب زيادة عن حرصها على تطويق المد الشيوعي الذي اصبح يتمدد بعد الحرب العالمية الثانية… كل هذه العوامل مجتمعة ستجعل الملك محمد الخامس يتقرب من الحركة الوطنية من اجل الاستقلال ابتداء من سنة 1947 . هذا ما يدعمه تصريح الحسن الثاني حول لقاء انفا بالدار البيضاء في 22 يناير 1943 بين “روزفلت” ومحمد الخامس حيت “صرح روزفلت ان الولايات المتحدة لن تضع اية عرقلة بخصوص استقلال المغرب وهذا الاستقلال سنوفر له دعما اقتصاديا مناسبا”.

بعد عودته من المنفى بمدغشقر عقدت اتفاقية “لاسيل سان كلو1 ” في 6 نونبر 1955 والتي بموجبها اتفق الطرفان وزير خارجية فرنسا والملك محمد الخامس على ” المفاوضات من اجل استقلال المغرب في إطار من التداخل في العلاقات بين المغرب وفرنسا”. لما سئل “ادكار فور” عن معنى “التداخل” أجاب ان الامر “يتعلق بتداخل العلاقات الاقتصادية والمالية”.
في 2 مارس 1956 عقدت مفاوضات “لاسيل سان كلو2” حيت تراءس الوفد المغربي الوزير الأول مبارك البكاي للحكومة الجديدة التي عينها الملك بعد رجوعه للمغرب.

أكدت الاتفاقية 2 ما جاءت به الاتفاقية 1 ومنها ان ” الحكومة الفرنسية وجلالة الملك محمد الخامس يؤكدون مضامين “لاسيل سان كلو 1 ” ليوم 6 نونبر 1955 ويرون انه بفضل التطور الذي انجزه المغرب على طريق التقدم فاتفاقية فاس ل30 مارس 1912 لا تتجاوب مع متطلبات الحياة العصرية ولا يمكن ان تستمر كأرضية للعلاقات بين المغرب وفرنسا. على هذا الأساس تعترف حكومة الجمهورية الفرنسية باستقلال المغرب. كما أعلن الطرفان عن انطلاق المفاوضات، بين المغرب وفرنسا كبلدين سياديين ومتساويين، تهدف الى عقد اتفاقيات جديدة تحدد تداخل المصالح بين البلدين في الميادين ذات الاهتمام المشترك”.

يتبين من خلال هذا التسلسل التاريخي للأحداث بأن المصالح المالية بين فرنسا والمخزن بقيادة القصر لا تتغير. ففي سنة 1980 سيطر القصر على اكبر اخطبوط مالي، أسس سنة 1929 ، بانسحاب بنك باريس من رأسماله وبقيت اسهم الكلاوي مجهولة المصير كما حافظت بنك باريس على مجموعتها “البنك المغربي للتجارة والصناعة” الذي تأسس سنة 1943 وسيطرت الأبناك الفرنسية الأخرى على مجالس إدارة “مصرف المغرب”، “الشركة العامة المغربية للأبناك” و “القرض العقاري والسياحي” وسيطر القصر على البنكين “البنك المغربي للتجارة” و”بنك الوفا” الذين تأسسا سنتي 1905 و 1911 بشراكة بين الرأسمال الأجنبي والرأسمال “المحمي” لينتج عنهما سنة 2003 اكبر بنك في المغرب “التجاري وفا بنك”.

في سنة 1994 عين الحسن الثاني حكومة بوزير أول مريض وبوزير داخلية قوي وبوزير منتدب مكلف بالخوصصة لا نفود له سياسي او مالي. في خضم ما سمي ب “حملة التظهير” التي رفض الوزير الأول الفيلالي السهر عليها بدعوى حالته الصحية وكلف بها البصري خارج أي مراقبة حكومية (حسب شهادة وزير العدل آنذاك امالو) وتحت تغطية اشهارية لا مثيل لها بوشرت خوصصة المؤسسات العمومية وعلى رأسها “الشركة الوطنية للاستثمار” التي تأسست سنة 1966 واصبح لها نفوذ كبير في الأبناك والتأمينات والاسمنت والسيارات والمواد الغذائية والتصدير والاستيراد وكانت قيمة أسهمها في البرصة ارتفعت من 215 درهم سنة 1992 الى 1250 درهم سنة 1994 وخفض هذا القدر بقرار الى 1000 درهم بدعوى تشجيع “الموفرين الصغار”(الضحك على الدقون ) . فوتت هذه الشركة للقصر، وفي سنة 2010 ادمج “أمنيوم شمال افريقيا” في الشركة الوطنية للاستثمار واصبحنا أمام جبروت اقتصادي ومالي مهيمن على البرصة وعلى الاقتصاد وعلى القطاع البنكي. في نفس السنة 1994 تمت خوصصة “البنك المغربي للتجارة الخارجية BMCE ” الذي تأسس سنة 1959 كمؤسسة عمومية تعتبر قوة بنكية ناجحة تساهم برأسمالها في العديد من المؤسسات العمومية كما لها رساميل في الأبناك الأخرى وحققت أرباح تفوق 6 بالمائة سنة 1994. فوت هذا البنك لمجموعة بن جلون عن طريق “الملكية للتامين” التي نسبة أسهمها في البنك متواضعة وفي سنوات قليلة أصبحت مجموعة بن جلون بدعم مالي بريطاني وامريكي تحصد اغلب رأسمال البنك ليصبح المجموعة البنكية الثانية بالمغرب بعد التجاري وفا بنك. بالنسبة للنبك المصنف في المرتبة الثالثة على المستوى الوطني تخلت الدولة عن عشرين في المائة سنة 2011 وبعدها 6 بالمائة سنة 2014 من حصتها لكي يصبح هو بدوره في يد الخواص.

شيئا فشيئا سيتخلى الهولدنك الملكي “الشركة الوطنية للاستثمار” عن كل شركاته المتدخلة في المنتوجات الغذائية وانحسرت أدواره في التنقيب على المعادن عبر “شركة مناجم” التي تسيطر على كل المناجم بالمغرب وشركات تركيب وتوزيع السيارات وتوزيع اليات الصناعية والبناء والاشغال الكبرى والنقل واللوجستيك والتسويق والاسمنت ومواد البناء والأبناك والتأمينات والاستثمار في الطاقات المتجددة عبر (نافيرا)… ووجهت كل استثمارات هذا الهولدنك نحو افريقيا تحت شعار “الصناعة المالية” او ما يصطلح عليه بتحقيق “التراكم بواسطة الرأسمال المالي” وللإعلان عن توجهاته الاستراتيجية الجديدة أصبح الهولدنك منذ مارس 2018 يحمل اسم “المدى”.

من خلال ما سبق نقرأ ان هذا الرأسمال انتزع من دائرة الإنتاج الوطنية في مجالات الصناعة والصناعة الغذائية أساسا والبنية التحتية كي يتحول الى ما يسمى “الصناعة المالية” التي تتوفر على سرعة التحول من قطاع الى أخر والتنقل من بلد الى بلد والتي تترصد المواقع المخلفة لأفيد الأرباح.

تلكم هي نشأة المؤسسات المالية التي تريد في “تداخل” مع الرأسمال الفرنسي وبتعاون مع الشركات المالية الامبريالية الاخرى ان تقتحم المجال الإفريقي عبر مؤسسة “القطب المالي الدار البيضاء” لمزاحمة الاستثمارات الصينية.

V – الاستثمارات الصينية بإفريقيا

قبل ان نتطرق لنوعية “الاستثمارات” المغربية بإفريقيا وننظر فيما اذا كان الامر يتعلق بالاستثمار ام بترحيل الأموال سنلقي نظرة عن الاستثمارات الصينية بإفريقيا ومقارنتها باستثمار الدول الامبريالية الغربية.
سنة 2017 تضاعف التبادل التجاري بين الصين وإفريقيا جنوب الصحراء 40 مرة على ما كان عليه سنة 1990 .
حسب “اللجنة الوطنية الصينية للتنمية” 3100 مؤسسة إنتاجية تتوفر على مشاريع اقتصادية تتجاوز قيمتها 100 مليار دولار بإفريقيا. مكتب الدراسات “ماكينزي” الأمريكي يقدر عدد تلك المؤسسات ب 10000 مؤسسة سنة 2017 . ويرى بعض المختصين ان الاستثمارات الصينية ساهمت في نمو بلدان افريقيا بكيفية ملحوظة. يبقى ان الصادرات الافريقية في اتجاه الصين تقتصر على المحروقات البترولية والمعادن بنسبة 70 بالمائة اما الاستثمارات الصينية فهي تهم جميع القطاعات الاتصالات الاستثمارات المالية، بناء السدود والموانئ والسكك الحديد… كما يلاحظ ان الاستثمارات الصينية بخلاف الدول الغربية تتبنى المنظور طويل المدى الذي يعتمد على الاحتمال القوي بتطور افريقيا مستقبلا وارتفاع نسبة مساهمتها في النمو على الصعيد العالمي. وتدخل استثمارات الصين بإفريقيا في اطار الخطة “طريق الحرير” الجديدة التي وضعتها الصين سنة 2013 . فالشركات العمومية الصينية بتمويل من الأبناك العمومية الصينية تهتم أساسا بوضع البنية التحتية (الطرق والسكك الحديد، الموانئ، السدود ومجمعات انتاج الطاقة الكهربائية… ) التي اهملتها عقود من الاستعمار واستنزاف الخيرات الطبيعية من طرف الدول الرأسمالية والتي ترفض المؤسسات المالية الدولية والأبناك الغربية الاستثمار فيها نظرا لهشاشة الاقتصاديات المحلية والمديونية العمومية المرتفعة. فاستثمارات الصين فيما بين 2009 و 2012 في البنية التحتية للدول الافريقية جنوب الصحراء تقدر ب 21 مليار دولار بينما لا تتجاوز مساهمات الدول المتقدمة الأخرى 7 مليار دولار امريكي(دراسة معهد ماكينزي).

أمام هذا التطور المتنامي للنفود الاقتصادي والمالي للصين في القارة السمراء ما يزال خطاب قادة الدول الاستعمارية يروج للمغالطات ويعتمد منهجية الاحتقار تجاه افريقيا.

ففي خطاب له امام البرلمان الأوروبي سنة 2018 صرح رئيس “اللجنة الأوروبية” “يجب علينا ان نتوقف على نهج سياسة “برامج الدعم” لإفريقيا ونتعامل معها بالمساواة” يظهر من قراءة هذا الكلام ان هؤلاء ما يزالون يوهمون شعوبهم على انهم يدعمون افريقيا وهم في واقع الامر لا يتخلفون على استنزاف خيراتها الطبيعية والدفع بشعوبها نحو الفقر المدقع وجعل شبانها وشاباتها يتيهون في الصحاري حلما باقتحام أسوار “القلعة-الجنة الأوروبية”. وأضاف جينكر بدون حياء ان أوروبا ستعمل على خلق 10 ملايين منصب شغل بافريقيا خلال الخمس سنوات المقبلة اعتمادا على الاستثمار الخاص. الملاحظ ان هذا الاستثمار الخاص الأوروبي لم يخلف في افريقيا وعلى امتداد ما يفوق 100 سنة الا الدمار والفصل العنصري.

بالنسبة لفرنسا فحصتها من الصادرات في اتجاه منطقتها المحروسة “مجموعة الفرنكCFA ” انخفضت من نسبة 35 بالمائة سنة 1985 الى نسبة 12 بالمائة سنة 2015 . بينما الصادرات الصينية لنفس المنطقة انتقلت من 2 بالمائة الى 22 بالمائة خلال نفس المدة. خلال العشر سنوات الأخيرة انخفضت حصة فرنسا من السوق، 40 الى 22 بالكابون ومن 22 الى 7 بالبنين و28 الى 11 بالكوت ديفوار لصالح الصين أساسا.

في منطقة “جموعة دول غرب افريقياUEMAO ” التي تحدثنا عنها في الجزء الأول أصبحت الشركات الصينية تمتلك نفس حصة الشركات الفرنسية لكن بالنسبة لنيجيريا التي تمثل دخلها القومي ( 461 مليار دولار امريكي) 75 بالمائة من الناتج الداخلي لمجموعة “سيداو”( التي يطمح المغرب ان ينخرط فيها ) حصة سوق الشركات الفرنسية لا تمثل الا 3,5 بالمائة مقابل 18,5 للصين و 8,5 للولايات المتحدة و4,3 بالمائة لبريطانيا. هذا ما يبين ان الصراع الاقتصادي مستقبلا سيكون بين الصين من جهة والولايات المتحدة وبريطانيا من جهة ثانية.

اما فيما يتعلق بالدول المتحدثة باللغة الإنجليزية ايثيوبيا وكينيا التي تعرف نموا متزايدا منذ سنة 2010 وتتوفر على ما مجموعة 150 مليون نسمة فحضور فرنسا ضعيف وحصة الصين والهند بكينيا متساويتان ب 17,6 أما ايثيوبيا فتلقب ب “الصينايثيوبيا” على غرار “فرنسافريقيا” .
ولإعطاء فكرة عن قوة وعمق الاستثمارات الصينية في نمو افريقيا وفي كل المجالات يلخص معهد “ماكينزي” كما يلي ” لا توجد دولة في العالم سبق لها ان التزمت وبعمق بالشراكة مع القارة الافريقية اكثر مما تقوم به الصين منذ سنة 2000 “

VI – الاستثمار المغربي بأفريقيا

VI -1 المكتب الشريف للفوسفاط

يكتنز المغرب ما يقدر ب 75 بالمائة من المخزون العالمي لمادة الفوسفاط. ويشكل هذا المعدن مادة استراتيجية في مجال انتاج التغذية العالمية. فالبترول يمكن استبداله بمصادر أخرى من الطاقة ولو تطلب الامر استثمارات إضافية لكن مادة الفوسفاط لا يمكن استبدالها. بما أن حصة الولايات المتحدة والصين من مادة الفوسفاط قابلة للاندثار خلال الأربعين سنة المقبلة يمكن للقارئ ان يستقرأ الموقع الاستراتيجي للمغرب على مستوى الإنتاج الفلاحي العالمي وبالمقابل التهافت المستقبلي للشركات المتعددة الاستيطان للسيطرة على ثرواتنا الوطنية خاصة وان المدير العام “للمكتب الشريف للفوسفاط” سبق له ان لمّح بإمكانية فتح هذه المؤسسة للاستثمار الخاص.

فما بين 2007 و 2017 استثمر المكتب الشريف للفوسفاط ما يناهز 9 مليار دولارامريكي لتقوية قدراته الإنتاجية في انتاج الفوسفاط الصخري وفي الأسمدة وفي الحمض الفوسفوري وسيستثمر ما بين 2018 و 2028 ما يفوق 10,5 مليار دولار امريكي كما استحوذ اخيرا على 20 بالمائة من الشركة الاسبانية ” فيرتناكرو” التي تتوفر على 22 معمل عبر أوروبا. ولتنظيم استثماراته في افريقيا أسس المكتب سنة 2016 هولدينك يسمى “OCP Afriqua”، لا نفهم ما الفائدة من ادماجه في “القطب المالي الدارالبيضاء” خاصة انه مؤسسة عمومية ويتطلع بموقع بالصدارة في مجال اشتغاله. هذا الادماج لا يمكن ان نفهم منه الا توجها نحو خوصصته وهذا سيشكل كارثة كبرى بالنسبة للأجيال المقبلة لأبناء وبنات الشعب المغربي. منذ سنة 2016 أستثمر اوسب-افريقيا في 14 دولة افريقية جنوب الصحراء في بناء معامل لتصنيع الأسمدة محلية ولتوزيع 1 مليون طن من الأسمدة المصنعة في الجرف الأصفر بواسطة المعمل ” مجمع الأسمدة لأفريقيا” الذي دشن أخيرا.

سيشكل استثمار المكتب الشريف في افريقيا مدعما ومسهلا للاستثمارات الأخرى لغياب منافس له على الأرض الافريقية وربما سيكون داعما لتوسيع استثمارات مجمع “المدى” المملوكة للقصر، فخلال زيارته لنيجيريا سنة 2016 سهر محمد السادس بمعية رئيس البلد المذكور على اتفاقية شراكة بين التجاري وفا بنك و اكبر بنك في نيجيريا “يونايتد بنك افريكا”. كما أن استثمارات المكتب الشريف للفوسفاط ستساعد على ما يسميه المسؤولون الفرنسيون ب”التعاون المغربي الفرنسي” في رجوع فرنسا الى افريقيا.

VI -2 شركة مناجم التابعة للمدى

مختصة في التنقيب واستغلال مناجم الذهب بالعديد من الدول الافريقية. سنة 1999 حصلت على 34 بالمائة من أسهم شركة كندية “سيمافو” وبعدها 52 بالمائة سنة 2002 وفي 2005 تخلت عن 42 بالمائة من سيمافو التي انسحبت منها كليا في 2009 واسست شركة تابعة للقانون السويسري ومركزها بسويسرا تحت اسم “مناجم الهولنديك العالمي (Managem IH) ما يعني ان كل استثمارات مناجم بإفريقيا لم تبق لها أي علاقة بالمغرب، وهذا يشكل نوع من ترحيل الأموال.

VI -3 التواجد البنكي والتأمينات

تتواجد أساسا بمنطقة الدول المتعاملة بعملة الفرنك التي عرفنا بها في الجزء الأول. فبالنسبة للابناك الخاصة المغربية ومؤسسات التأمينات لا يشكل ذهابها الى افريقيا جنوب الصراء مغامرة استثمارية لان عملة هذه المنطقة يتحكم فيها الأورو بنسبة 100 ب100 فالتجاري وفا بنك حصلت على حصة تفوق 50 بالمائة في العديد من الابناك الافريقية وبنك بتونس وآخر بمصر كما أن ب م س أ هي كذلك تتوفر على مساهمات مختلفة النسب في العديد من الأبناك ابتداء من سنة 2005 اما البنك الشعبي فهو يتواجد بالدول الافريقية منذ مدة نظرا لمعاملاته مع التجار المغاربة المتواجدين في بعض الدول بإفريقيا الغربية.

بما أن أقل من 28 بالمائة فقط من مواطني الدول المعنية هم من يتوفرون على حسابات بنكية فنمو المعاملات التجارية لهذه الأبناك في تنامي. فخلال سنة 2017 تمثل حصة افريقيا في مجموع معاملات ب م س أ بنك 44 بالمائة و التجاري 32 بالمائة (46 بالمائة منها بتونس ومصر) والبنك الشعبي 17 بالمائة. الملاحظ ان مصر وتونس لوحدهما يمثلان 46 بالمائة من الأرباح بأفريقيا هذا ما يظهر أهمية الاندماج في سوق العالم العربي، لكن الاندماج والتداخل مع الرأسمال الفرنسي هو الذي يحدد الأولويات.

VI -4 الاستثمارات المشتركة المغربية الفرنسية في سيداو … لماذا؟

نذكر ان سيداو تتكون من 14 دولة ثمانية منها من ” مجموعة الغرب الافريقي ” المنضوية تحت مجموعة الفرنك و 6 دولة أخرى غير فرنكوفونية أهمها نيجيريا التي هي اكبر واغنى دولة مؤسسة للمجموعة ويشكل دخلها القومي في سنة 2018، 75 بالمائة من الدخل القومي لمجوعة سيداو. نيجريا تتواجد بها الاستثمارات الصينية بشكل وافر. في 27 فبراير 2017 قدم المغرب طلبه للالتحاق بمنطقة سيداو وعبرت نيجريا والسنغال عن رفضهما. بالنسبة للسنيغال لها مبادلات تجارية مهمة مع دول المجموعة وتحتاط من المنافسة المغربية، بالنسبة لنيجيريا اعتبرت صراحة ان المغرب سيكون منصة لترويج بضائع الاتحاد الأوروبي (فرنسا بالمنطقة) والى حدود الان لم تحسم المجموعة في انتماء المغرب.

بالنسبة لفرنسا فهي متحمسة جدا لدخول المغرب الى منطقة سيداو لسبب وحيد هو ان المجموعة تريد ان تتبنى عملة موحدة في افق 2020 والمغرب عبر عن استعداده لتبني تلك العملة. لكن اصدار عملة جديدة سيضرب في العمق مصالح فرنسا في “العبودية المالية والنقدية” التي فرضتها على منطقة الفرنك منذ 1945. حيت ان الخزينة الفرنسية تستفيد الان مما يفوق 20 مليار أورو (الأرقام تتغير حسب المصادر من 20 الى 440 مليار اورو) التي تشكل نصف واردات المجموعة من العملة الصعبة ملزمة الا تتصرف فيها وتدعها في بنك باريس.

على سؤال طالب من اشبال توماس سانكارا طرحه على ماكرون لما زار جامعة بوركينا فاسو أجاب “لا تتبنوا حول هذا الموضوع (الفرنك) مقاربة ساذجة لما بعد الاستعمار او مناهضة الإمبريالية، هذا ليس مناهضة الامبريالية، وغير صحيح”. هذا ما يبين تشبت فرنسا بمحميتها وان دخول المغرب لمنطقة “سيداو” لربما سيشكل عائقا أمام انقراض البقرة الحلوب “مجموعة الفرنك”. الشروط الموضوعية كلها متوفرة كي يساهم المغرب في هذه الخطة الفرنسية نظرا لكون الأبناك الخاصة الثلاث التي تحدثنا عنها وكذلك شركات التأمين والعديد من المؤسسات التابعة ل”المدى” في مجالات التصدير والاستيراد والطاقات المتجددة (نافيرا) ستجد نفسها مباشرة امام عملة تتحكم فيها نيجيريا ومن تم اليووان الصيني.

مما لا شك فيه ان كل الخطاب الفرنسي الرسمي منذ 2013 الى اليوم مرورا بهولاند وماكرون وفابيوس وهوبير فيدرين وادوارد فليب حول الشراكة المغربية الفرنسية من اجل افريقيا الهدف منه هو المزيد من تغلغل الرأسمال المالي والصناعي بالمغرب أولا، ثانيا محاولة توظيف المغرب في حماية مصلحة فرنسا في “العبودية النقدية” تجاه افريقيا الفرنكوفونية جنوب الصحراء
في سنة 2017 صرح ماكرون انه ” يريد خلق طريق للحرية والمسؤولية تشق من أفريقيا الى أوروبا” على غرار “طريق الحرير” الصينية. لكن الواقع مر فالطريق الوحيدة التي شقتها فرنسا وأوروبا المستعمرة تصلح لتهريب الأموال والثروات واقتلاع الشباب الافريقي المسلوب من جدوره. فالشباب الافريقي تنطبق عليه جملة للوزير الأول الفرنسي “ادوارد فليب” امام البرلمان المغربي في نونبر 2017 لكننا نضعها في سياق معاكس تماما ” نساء ورجال من الرمال والرياح وضياء الليل في مسيرتهم تحت هبوب رياح الصحراء”.

Share

اترك تعليقاً