الرئيسية / قضايا وطنية / سياسة / لا وحدة للمغرب الكبير بدون توفر أهم شروطها
جريدة النهج الديمقراطي

لا وحدة للمغرب الكبير بدون توفر أهم شروطها

Share

جريدة النهج الديمقراطي (كلمة العدد: 286)

يعلمنا التاريخ أن وحدة المغرب الكبير التي هي اليوم حلم شعوبه، كانت حقيقة عبر مر العصور، لكنها تعرضت إلى التمزيق مع تدخل القوى الاستعمارية والاستيطانية. وكل القوى الاستعمارية التي توالت على هذه المنطقة غرست في تربتها بذور التفرقة ورعت هذه البدور حتى أصبحت اعتقادات ثم قناعات يتم استعمالها للتحريض على أن هذه الشعوب لها من الخصوصيات ما يفرض الفرقة ويبرر لرسم الحدود بين كيانات مغربنا الكبير وهي كيانات غير قابلة للتعايش مع بعضها البعض. مع تغلغل الاستعمار الأوروبي نهاية القرن الثامن عشر وما بعده سيتم تقسيم بلاد المغرب الكبير إلى مناطق نفوذ للقوى الأوروبية. واستطاع هذا التدخل أن يخلق واقعا جديدا سيؤثر على مستقبل المنطقة. لم تعد بلدان المغرب الكبير تعيش وتناضل وتحرز مكاسب في العيش المشترك بل تمزقت الوحدة وتطورت في صلب كل جزء منها مصالح خاصة للفئات الطبقية السائدة وربطت مصيرها مع المستعمر ولم يعد يربطها أي رابط بمستقبل المغرب الكبير. إنها تحولت إلى وكيل محلي مكلف برعاية مصالح المعمرين مقابل حصوله على مكتسبات ونفوذ. وكلما أمعن هؤلاء الوكلاء في تشديد القبضة على مناطقهم ومنع التآزر والنضال المشترك بين شعوب المغرب الكبير كلما نالوا الدعم من طرف السيد المستعمر.

لكنها ليست إلا لحظة جزر وخفوت أصابت همة وطموح هذه الشعوب للتحرر والانعتاق. فبعد أن استجمعت نفسها انخرطت شعوبنا وكأنها على موعد مسبق في مواجهة المستعمر، فاندلعت حرب التحرير في جميع أقطار المغرب الكبير قدمت خلالها هذه الشعوب اغلي التضحيات وحققت انتصارات مهمة فتحت باب الأمل للتحرر الكامل من قبضة الاستعمار البغيض. عندها راجعت القوى الاستعمارية سياستها وغيرت من تكتيكاتها مخافة أن تفقد نهائيا مصالحها في هذه المنطقة الاستراتيجية من العالم. هكذا وضعت سياسة الاستقلال المتحكم فيه على طاولة المفاوضات مع قيادات حرب التحرير في كل بلد على حدى. فكانت النتيجة المعروفة بتمكن القوى الاستعمارية من شق صفوف المقاومة واختراقها والنجاح في استقطاب حلفاء ومتعاونين جدد في تونس والمغرب وليبيا وموريتانيا بينما تجذرت حرب التحرير في الجزائر وكانت النتيجة مختلفة نسبيا عما حصل في البلدان الأخرى. نجح هذا الاختراق وأجهض حرب التحرير، لأن القيادات السياسية كانت تمثل مصالح الطبقات البرجوازية المتحالفة مع شبه الإقطاع وممثلي الطبقات والفئات المتعاونة مع الاستعمار نفسه. لم تكن تلك القيادات السياسية قادرة على الذهاب بحرب التحرير إلى مداها في الاستقلال السياسي والاقتصادي من الهيمنة الامبريالية وفي إقامة مجتمع تكون فيه السلطة السياسية وملكية وسائل الإنتاج في يد الطبقات الشعبية.

بفعل إجهاض حرب التحرير الشعبية تكرس تقسيم المغرب الكبير إلى كيانات قزمية تيسر الأمور لتشديد قبضة الاستعمار الجديد عبر وكلائه الجدد أنظمة الدول الكمبرادورية وملاك الأراضي الكبار.

ففي هذه المرحلة الجديدة أصبحت وحدة شعوب المغرب الكبير من بين القضايا التي تحاربها الامبريالية ووكلاؤها المهيمنون على السلطة. أصبحت وحدة الشعوب مجرد شعار ديماغوجي تستعمله هذه الأنظمة لما تحتاج إلى تهييج المشاعر أو في إطار خوض الصراعات السياسوية بينها كأنظمة.

لذلك وجب استخلاص الدرس الأساسي في موضوع وحدة الشعوب المغاربية اليوم وبشكل موضوعي يرتكز على أسس صلبة ويقطع مع الأوهام ويمنع الأنظمة والقوى الامبريالية من استخدامه في استغفال شعوبنا. إن تحقيق وحدة شعوب مغربنا الكبير بات من مهمات استكمال أهداف حرب التحرير الشعبية المجهضة وهذا الأمر أصبح ملقى على عاتق الطبقة الأكثر ثورية والتي تتناقض مصالحها مع مصالح الرأسمال الاحتكاري العالمي والاستغلالي في كل بلد من بلدان المغرب الكبير وهذه الطبقة هي الطبقة العاملة بالمغرب الكبير. ولكي تقوم بهذه المهمة التاريخية فيلزمها أولا أن تتحول من طبقة في ذاتها – وهذا هو واقعها اليوم في مغربنا الكبير- إلى طبقة لذاتها تعي وتعلم دورها في قيادة الصراع الطبقي والجهوي من أجل بناء دول متحررة فيها السلطة للشعب وتسعى للوحدة المغاربية ليس كحلم ونزعة مجردة بل كحاجة اجتماعية واقتصادية وديمغرافية وسياسية من اجل تعميق المكتسبات وربط التحرر الاجتماعي ببناء المجتمع الذي تنتفي فيه علاقات استغلال الإنسان المغاربي لأخيه الإنسان المغاربي أي المجتمع الاشتراكي. ولأننا في منطقة استراتيجية عالمية فإن القوى الامبريالية والكيان الصهيوني لن يسمحا بذلك إذا لم تكن هناك الوحدة المغاربية النوعية القوية. في هذا الإطار يصبح النضال من أجل المغرب الكبير نضالا يسير مع ضرورات التاريخ وتدعمه حقائق الجغرافية وما تحقق من تلاحم هذه الشعوب المغاربية التي كانت شعبا واحدا ومزقته المصالح الأجنبية الدخيلة.

Share

اترك تعليقاً