الرئيسية / قضايا وطنية / الحراك الشعبي / معاد الجحري يكتب عن الحراكات الشعبية بالمغرب: الحصيلة والآفاق

معاد الجحري يكتب عن الحراكات الشعبية بالمغرب: الحصيلة والآفاق

Share

الحراكات الشعبية بالمغرب: الحصيلة والآفاق(*)

معاد الجحري(**)

1) تقديم:

إحدى السمات البارزة للوضع في المغرب خلال العشر سنوات الأخيرة هي الغليان الشعبي، فما أن يتم إخماد حراك شعبي حتى ينبعث أخر. أبرز هذه الحراكات حركة 20 فبراير تلتها حراكات تشمل مناطق معينة وهي حراك الريف، حراك جرادة، حراكات أخرى في ايمضر وزاكورة وأوطاط الحاج وتندرارة ، وأخيرا المقاطعة الاقتصادية التي لا زالت أطوارها جارية.
لمقاربة الموضوع، يستعمل النهج الديمقراطي مفهوم السيرورات ثورية. هذا المفهوم، المستوحى من الماركسية، يساعد بالنسبة لنا على التحليل والتفسير الأمثل للديناميات الاجتماعية ولحركة التاريخ. هذه السيرورات تعرف فترات من المد والجزر، ولكن حتى خلال فترات التراجع فان الشعوب في الإجمال لا تسمح بالعودة إلى الأوضاع السابقة لأنها تكون قد اكتسبت مناعة واستدمجت دروس ومكتسبات الكفاحات السابقة.

2) حركة 20 فبراير:

بهذا المعنى، تمثل حركة 20 فبراير الموجة الأولى لهذه السيرورات في بلادنا كجزء من السيرورات التي شملت عددا من بلدان المنطقة المغاربية والعربية عموما، وهي حركة شعبية سياسية واسعة طرحت مهمة التغيير الديمقراطي كثفتها في شعارها:حرية- كرامة- عدالة اجتماعية- المساواة الفعلية. ويعود خفوت الحركة إلى :
أ-عوامل موضوعية اهمها تراجع السيرورات الثورية في المنطقة العربية والمغاربية عموما ودخولها في فترة من الجزر وكذا مناورات وخطط النظام على الصعيدين السياسي والاقتصادي-الاجتماعي.
ب-عوامل ذاتية تتعلق بالحركة كحركة أبرزها الشكل التنظيمي للحركة (تنسيقيات محلية يحضرها كل من يرغب في الحضور ويصعب معها أخذ القرار، جهاز مركزي ضعيف وذيلي للتنسيقيات) وشعار مركزي فضفاض (إسقاط الفساد والاستبداد) وغياب نقاش سياسي استراتيجي بين مكونات الحركة التي تتحمل مسؤوليات متفاوتة.
– غير أن خفوت هذه الحركة وتفكك هياكلها ليس انتكاسة تاريخية ولا موتا للمستقبل، فقد حققت مكتسبات مجتمعية هامة أبرزها:

1) تسييس الشعب بدفع الملايين وخاصة من الشباب والنساء إلى حلبة الصراع،

2) تخلص مهم من الخوف،

3) ترسيخ فكرة أن الحقوق تنتزع ولا تعطى وأن التغيير يكون من صنع الشعب وليس منة من قائد ملهم أو فئة مستنيرة تقوم مقامه،

4) ضرب التوافق كعقيدة واستراتيجية للتغيير وأن التغيير يأتي بالأساس من الشارع أي كعمل سياسي منظم بالأساس خارج المؤسسات. هذه المكتسبات وغيرها أدمجتها الحركات الاجتماعية في تقاليدها النضالية.
– ولم تكن فترة الجزر التي امتدت من بداية 2012 إلى أكتوبر 2016 فراغا مطلقا، بل كان البركان الشعبي الخافت ظاهريا يرسل من حين لآخر تحذيرات لمن يهمه الأمر: معركة الأيام الستة التي هزت المغرب حول مغتصب الأطفال دانييل كالفان (غشت 2013)+ حركة متابعة الشأن المحلي بتارجيست (2013) وتصاعد احتجاجات ايمضر (غشت 2011) وعرفت الانتخابات الجماعية شتنبر 2015 والبرلمانية أكتوبر 2016 مقاطعة عارمة ( 80 في المائة في الانتخابات الأخيرة).

3- الحراكات الشعبية الاجتماعية:
وإذا كانت حركة 20 فبراير قد انطلقت من شعارات سياسية عامة، فان الحراكات التي تلتها، والتي تمثل الموجة الثانية من السيرورة الثورية في بلادنا، كامتداد واستمرار لحركة 20 فبراير، انطلقت من المشاكل الاجتماعية الملموسة للجماهير على نطاق محلي أو إقليمي، لكنها تطرح بقوة الأشياء شعارات سياسية لكونها تصطدم بموقف الدولة وسلوكها اتجاه هذه الحراكات.
1.3) حراك الريف:
وفاة بائع محسن فكري مطحونا في حاوية الأزبال، يوم 28 أكتوبر 2016، هو الشرارة التي أشعلت الموجة المذكورة.
ومن مقومات نجاح حراك الريف كونه:
– يتوفر على قيادة ومسلح بمطالب اجتماعية ملموسة لمنطقة عانت ولا زالت من التهميش.
– ينهل من العداء التاريخي للمخزن، موشوم في الذاكرة الشعبية للريف.
– ينهل من الأمازيغية كهوية خاصة تعاني من تهميش مضاعف.
– يستند إلى الإسلام الشعبي كنقيض للإسلام الرسمي والإسلام السياسي معا: الصلاة خارج المساجد والتصدي لاستعمال الدين من طرف الدولة لتشويه الحراك.
– أبدع أشكال نضالية سلمية متنوعة منها الإضراب العام بالمنطقة.
2.3) حراك جرادة:
– وفاة الشقيقين الدعيوي، حسين وجدوان (شهيدي الرغيف الأسود)، يوم 23 دجنبر 2017 في إحدى السندريات بعد تأخر الوقاية المدنية في إنقاذهما أكثر من يوم ونصف، هو ما حول الاحتجاجات ضد غلاء فواتير الماء والكهرباء إلى حراك شعبي عارم
– ورغم أن الفحم الحجري لجرادة هو من أجود أنواع الفحم في العالم فقد تم اتخاذ قرار إغلاق شركة مفاحم المغرب سنة 1998 بدعوى ارتفاع كلفة الإنتاج على أساس بديل اقتصادي تم الاتفاق بشأنه مع النقابات. ولم يمنع هذا الدولة من استيراد فحم أقل جودة، وبالتالي يعمق معضلة البيئة، لاستخدامه في المحطة الحرارية بالمنطقة التي تؤدي الضرائب الواجبة عليها لفائدة جماعة الصخور السوداء بالبيضاء حيث مقرها المركزي معمقة بذلك الفوارق الجهوية.
– أدى هذا إلى تشريد العمال وعائلاتهم (7000 عامل) انضافوا إلى آلاف المعطلين وخاصة حملة الشهادات (في جرادة نسبة البطالة هي الأعلى وطنيا وتصل إلى 37 في المائة)
– وهكذا اضطر كادحو المنطقة إلى الاستغلال العشوائي لأبار الفحم تسمى الساندريات رغم خطر انهيارات الأنفاق وتدفق المياه الجوفية :45 حالة وفاة منذ إغلاق الشركة.
– لم تف الدولة بوعودها بخصوص البديل الاقتصادي ولا ملف البيئة خاصة ما يتعلق بإزالة ركام مخلفات الإنتاج (الرومبلي) ما ينتج عنه أمراض التنفس تنضاف إلى مرض السليكوز الواسع الانتشار وسط العمال في غياب الوقاية والتطبيب (1700 مصاب بالسليكوز).
– باختصار منطقة تفتقر لأبسط مقومات العيش الكريم.
– وكما هو الشأن بالنسبة لحراك الريف، بلور حراك جرادة ملفا مطلبيا تمحور حول تخفيض فواتير الماء والكهرباء والبديل الاقتصادي ومحاسبة المسؤولين على الوضع الذي آلت إليه المنطقة وعلى رأسهم رموز المافيا (من سماسرة وأباطرة ونخب سياسية فاسدة الذين استفادوا من رخص استثنائية لاستخراج وتسويق الفحم متاجرين في بؤس السكان).
على أن ما يميز حراك جرادة فهو كونه:
– ينهل من تاريخ الكفاحات الطويلة للطبقة العاملة المنجمية وقد تربى أغلب الشباب المؤطرين للحراك في وسط نضالي من النقابيين العمال.
– عمل ما أمكن بمنطق القيادة الجماعية والتناوب على المهام وتم تشكيل لجان الأحياء (حوالي 50 حي ب 5 مناطق). وبعد كل وقفة تكون هناك اجتماعات في الأحياء للتقييم والنقد، وبعدها تنقل النتائج إلى التنسيقية، التي تقوم بدورها بنقل القرارات والخطوات المقبلة إلى الأحياء عبر ممثليهم.
3.3) حراكات أخرى: زاكورة، تندرارة، أوطاط الحاج، ايمضر:
في زاكورة، انطلق الحراك أو انتفاضة العطش يوم 24 شتنبر 2017 كاحتجاج من ساكنة هذه المدينة المهمشة من أجل الماء الشروب الذي تعاني من نذرته خاصة خلال فصل الصيف.
ومن المفارقات، يوجد في زاكورة 3000 هكتار لزراعة الدﻻح ويرفض لوبي اخنوش استبدالها بزراعة أخرى لتمكين السكان من الماء. ويعمق سقي ملعب للكولف بورزازات هذه المشكلة، هذا هو، النموذج التنموي للمخزن في مجال الفلاحة والقائم على المخطط اﻻخضر الذي يرتكز إلى الفلاحة التصديرية والتي تستنزف الفرشة المائية.
أوطاط الحاج: اندلع الحراك في هذه المنطقة يوم 9 يناير احتجاجا على تردي الوضع الصحي على اثر وفاة مواطن (=مول الكروسة) بسب انقلاب عربته المجرورة بعد تعذر معالجته محليا نظرا لغياب التجهيزات الطبية وتأخر سيارة الإسعاف.
تندرارة: اندلع الحراك يوم 11 يناير 2018 بسب تأخر سيارة الإسعاف في الوصول لتقديم المساعدة لطفل دهسته شاحنة تابعة للمكتب و.ك قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة في مكان الحادث. هنا أيضا تم اللجوء إلى الإضراب العام.
ايمضر: وتصاعدت احتجاجات سكان جماعة ايمضر (30 كلم من تنغير في الجنوب الشرقي) منذ غشت 2011 بسبب النهب الذي تمارسه الشركة المعدنية لاميضر، التابعة للهوليدينغ الملكي (أكبر منتج للفضة بإفريقيا) التي تنتح أزيد من 240 طن من الفضة سنويا.
مطالب الساكنة اجتماعية وتتمثل بالأساس في ضرورة توفير الشغل لشباب المنطقة طبقا لكوطا تراعي مصالح السكان، ووضع حد لتدمير الطبيعة وخاصة التلوث واﻻستغلال المفرط للفرشة المائية في منطقة تعتمد على الزراعة المعيشية، والاستفادة من الثروة المعدنية.
جميع هذه الحراكات، هي حراكات سلمية تتميز بمشاركة واسعة للشباب والنساء من الفئات الكادحة في مناطق مهمشة (=المغرب غير النافع كما سماه ليوطي) حيث الدينامية الرئيسية للصراع هي من أجل رفع التهميش عن هذه المناطق.
وخلافا لشكل القمع بالنسبة لحركة 20 فبراير (الذي كان مدروسا لتفادي تجدير الحركة) فان جميع هذه الحراكات المشار إليها تم إخمادها بقوة الحديد والنار وعسكرة المناطق خاصة في الريف وجرادة. والنتيجة أزيد من 600 من معتقلي الحراك وعلى الأقل شهيد واحد هو عماد العتابي.
ولكن الحراك الشعبي لم يفنى وهو الآن مستمر في السجون والعائلات والخارج ومن خلال المقاطعة الاقتصادية.
4.3) المقاطعة الاقتصادية
1- انطلقت يوم 20 أبريل 2018 ، حركة شعبية، تتمثل في مقاطعة 3 منتوجات أساسية محددة، غير مسبوقة من حيث حجمها بانخراط فئات واسعة جدا وخاصة الفئات الوسطى الحضرية وطول نفسها والخسائر التي كبدتها للشركات المعنية والآثار السياسية التي ترتبت عنها ومستوى الدعاية والتحريض والإبداع والسخرية اللاذعة والوسائل التي ترتكز عليها: وسائل التواصل الاجتماعي.
2- توفقت الحملة جدا في اختيارها لهذه الشركات كموضوع للمقاطعة لكون هذه الأخيرة تمثل نماذج صارخة تكثف السخط الشعبي بسبب الجمع بين الثروة والسلطة والاحتكار والريع والتبعية. وهكذا قدم رواد الحملة نماذج ملموسة عن كيفية تكديس الثروة بفضل الموقع في السلطة، وفضحت بشكل صارخ كيف تم بناء إمبراطورية كل من مريم بنصالح وعزيز أخنوش بالتواطؤ مع المخزن والاستعمار. وتناولت الحملة ولو بدرجة أقل قضية السيادة الغذائية في ظل مخطط المغرب الأخضر والأمن الطاقي وكيف تم خوصصة شركة “سامير” لتكرير البترول بدعوى تحرير سوق المحروقات أدت في الوقع إلى احتكار هذه السوق من طرف إفريقيا –غاز.
3- وفضحت الحملة غياب أي منافسة قيل أنها ستؤدي إلى تخفيض الأثمان.
4- عرت عن زيف مفهوم المقاولة-المواطنة عندما كشفت عن حالة البؤس والفقر العام الذي تعيشه جماهير ولماس والنواحي.
5- ومن المواضيع الهامة التي أثارتها الحملة هي المشروعية الأخلاقية لاستغلال بعض المواد وتسليعها وفي مقدمتها الماء: هل يحق الاتجار في مادة مثل الماء هي أصلا من إنتاج الطبيعة؟
6- الحملة عمقت التناقضات الداخلية لحزب العدالة والتنمية الذي وضع نفسه في مواجهة الحملة.
7- الحملة وجهة ضربة قاسمة لحزب التجمع الوطني للأحرار وطوت ورقة هذا الحزب كما طوت من قبلها حركة 20 فبراير المجيدة وكذا حراك الريف العظيم ورقة البام.
8- الحملة بعثرت أوراق وخطط المخزن وعمقت التناقضات وسط القطب المخزني.

4) خلاصات وآفاق:
1- الحراك الشعبي سيستمر لأن الأسباب الباطنية العميقة التي أدت إلى اندلاعه لازالت قائمة: علاقات الإنتاج الحالية أصبحت معرقلا أمام نمو قوى الإنتاج خاصة في ظل أزمة النظام الرأسمالي العالمي التي تنعكس سلبا على بلادنا بحكم التبعية للامبريالية وخاصة الفرنسية ولبلدان الخليج التي تعاني بدورها. وقد ينتقل في الموجة القادمة إلى المدن الكبرى حيث الصراع الطبقي هو الدينامية الرئيسية للصراع.
2- عندما يهب حراك شعبي عفوي فانه قد يأتي بأشكال جديدة من الخطاب والتنظيم: لا ينبغي التردد، يجب الانخراط. ويجب الانتباه إلى أن مستوى العفوية يتضاءل يوما عن يوم لأن الحراكات تستند إلى شبيبة متعلمة لها تقاليد في النضال وتحسن استعمال وسائل التواصل الاجتماعي التي توفر المعلومة.
ومن جهة أخرى، يمكن تفهم فكرة الدكاكين السياسية لكن لا يمكن القبول بالعداء لفكرة التنظيم من أساسها فتلك تخدم أجندة المخزن وأهدافه.
3- جميع مكونات الهوية (الأمازيغة والعروبة والإسلام) يجب وضعها في خدمة استراتيجية التغيير الثوري.
4- التغيير يتطلب الملايين والوحدة لذا يجب بناء الجبهة (الجبهة الديمقراطية لقيادة جبهة ميدانية أوسع كما جسدتها في أوجها حركة 20 فبراير كحركة تضم قوى من مرجعيات مختلفة.
5- الحراك الشعبي يؤكد بأن المهمة الراهنة، هي البناء الديمقراطية والتحرر الوطني، أي حل التناقض الرئيسي، كتناقض ينبع من قلب التشكيلة الاجتماعية المغربية، بين المخزن والكتلة الطبقية السائدة والامبريالية من جهة والطبقات الشعبية من جهة أخرى.
6- جذر المشكلة المغربية هي المخزن والشعار المركزي هو التخلص من المخزن ويجب أن يتوج نضال شعبنا بمجلس تأسيسي لترجمة هذا الشعار.
7- حراك المقاطعة الاقتصادية يتكامل مع الحراكات الأخرى وليس بديلا لها. ورغم كونه أقل كلفة فيما يتعلق بالقمع فانه لا يعفي أبدا من أشكال النضال في الشارع كخيار استراتيجي. كل هذه الحراكات تقدم تجارب ملموسة لأسلوب التغيير المحتمل في بلادنا: الإضراب الجماهيري كإضراب سياسي والعصيان المدني والانتفاضة الشعبية.
هذا وفي الأخير فان المعركة الآنية هي تحرير المعتقلين وأول شيء القيام بحملة تضامنية معهم ومع عائلاتهم.

(*) عنوان مداخلتي في الندوة الدولية التي نظمها النهج الديمقراطي يوم 23 يونيو 2018 بالرباط.
(*) نائب الكاتب الوطني للنهج الديمقراطي.

Share

اترك تعليقاً