الرئيسية / • إصدارات / مجلة التحرر: رهان حقيقي في جبهة النضال الفكري

مجلة التحرر: رهان حقيقي في جبهة النضال الفكري

Share

14:59:51بقلم أحمد صديقي 

  صدر العدد الأول من مجلة التحرر الفكرية – شتاء 2014 – تحقيقا لحلم طالما راود مناضلات ومناضلين اقتنعن واقتنعوا بضرورة وأهمية  النضال الفكري الجاد  والمسؤول إلى جانب الواجهات النضالية الأخرى : السياسية ، النقابية ، الثقافية ، الإعلامية …

  1. في أهمية المجلة /العمل :

    مجلة “التحرر” جاءت في وقتها نظرا لحاجة القارئ(ة) لمادة فكرية جادة ومسؤولة تجابه الواقع في فجاءاته وتغيراته، بسبب ما يمكن أن نسميه ب”الفراغ ” في ساحة الإنتاج الفكري /الإعلامي المغربي على وجه الخصوص.فرغم زخم الإصدارات العديدة واكتظاظ –إلى حد الاختناق- الأكشاك والمكتبات بالمجلات والنشرات  المتنوعة، إلا أن غزارة الإنتاج لا توازيها جودة في المنتوج  الفكري، لذلك قليلة هي الإصدارات القيمة التي انفلتت من هاجس التسويق (الماركوتينغ) ومن ما بات يعرف بأدوات رضاعة التسلية.

    لقد كانت لتجارب إعلامية  “فكرية ” مثل “النهج” “الطريق” “أنفاس” “الأفق الديمقراطي” … كبير الأثر على تثقيف المناضلات والمناضلين من اليسار العربي ، لكن توقف بعضها واغتيال بعضها الآخر كما هو حال تجربة أنفاس ( ما بين 1966-1973) جعل رقعة الإنحطاط الفكري تتسع أكثر ودائرة التفاهة تستوطن أكثر فأكثر.اليوم يأتي ميلاد هذه التجربة التي لابد لها تستمر من خلال كامل الدعم والتشجيع.

2 – في أهمية ملف العدد الأول : السيرورات الثورية في العالم العربي

    راهنية العمل /المجلة  توازيها راهنية ملف العدد وهو وموضوع السيرورات الثورية في العالم العربي، الموضوع ربما يفرض التساؤل أكثر من الجواب، لأنه متعلق بالحاضر وليس بالماضي ، والوعي بالحاضر أكثر خطورة وصعوبة من الوعي بالماضي لذلك تطلب درجة أعلى من العقل والتعقل خصوصا إذا تعلق بميدان الفعل السياسي. وربما أنسب الأجوبة /التحاليل في مثل هكذا موضوعات نجدها في طبيعة التساؤلات المطلوبة.

ثمة أسباب عدة – سنأتي على البعض منها في عنصر الملاحظات حول المضمون  – تمنح الموضوع الذي شكل ملفا للعدد الأول من المجلة راهنيته وأهميته بل وضرورته.

3 – بعض الملاحظات  حول العدد الأول من المجلة

  1. في الشكل:
  • إن تطوير واستمرار صدور مجلة التحرر رهين أولا بالإرادة والدعم وكذا الملاحظات البناءة قصد تجاوز النقائص. ولعل أول ملاحظة يمكن تسجيلها هي المتعلقة بالشكل الفني المتطور  الذي قدم به العدد الأول ، فبساطة ودلالة الألوان والعناوين تجعل العين لا تخطئ التفرد والتميز الذي يميز مجلة التحرر، وبذلك فقد تجاوزت بعض نقائص العدد الأول من كل عمل وكأن بها لم تبدأ من الصفر، ونفسها الملاحظة لمستها شخصيا عند العديد من اللذين اقتنوا المجلة.  فالحجم المتوسط في أبعاد الصفحات وفي السمك الذي يمكن وصفه بالمعقول خصوصا في ظل تراجع القراءة والإقبال على الكتاب لصالح التعامل مع صفحات الويبles pages web  والفلاشات  الإعلامية. تماما كالوجبات السريعة التي نلجأ إليها لتنهي الجوع ولو على حساب الطعم والذوق، و هنا تتم على حساب المعنى والقيمة والدلالة التي تمتاز بها صحبة الكتاب.
  • دلالة ” التسمية ” : التحرر

لعل للتسمية (التحرر) دلالة كبيرة وعميقة تعكس رهان هيئة التحرير وكل من ساهم في ميلاد المجلة، فالتحرر la libération  عملية واعية شاقة ومضنية وطويلة الأمد ترادف التغيير الجذري والثورة المستمرة في كل مجالات الحياة: اقتصاديا، سياسيا ، اجتماعيا فكريا وثقافيا… عنوان التحرر إرادة للتحرر.

  • ملاحظة تفرضها طبيعة موضوع العدد الأول ، وهي المتعلقة بالتأريخ الذي يجب أن يعقب كل المساهمات ، فالموضوع قيد الدراسة والتحليل واقعي عيني يدخل في إطار الوعي بما يجري وليس بما انتهى وانقضى ، لذلك فأحداثه وتغيراته حتما تؤثر في التحليل بل قد تغيره قصد أن تكتمل الصورة أكثر فأكثر . غير أن أغلب المساهمات جاءت بدون وضع تأريخ كتابتها  باستثناء مساهمتين اثنتين هما لـ: عبد الغفار شكر : مصر”الطريق إلى 30 يونيو” في 17/09/2013 و غازي الصوراني : فلسطين 26″ السيرورات الثورية للإنتفاضة العربية وتأثيرها على القضية الفلسطينية” /03/2013. المساهمات ليست مقالات فلسفية لا تتقيد حرفيا بأحداث الزمان والمكان ، بل هي فكر سياسي يجابه الأحداث لذلك نجد أغلب المقالات تستشهد ببعض أحداث الواقع أو تستحضرها في سياق التحليل.
  • أيضا تضمن العدد الأول آلية الحوار إلى جانب المقالات التحليلية، من خلال  حوارين:  الأول حول موضوع السيروروات الثورية مع المفكر جلبير الأشقر، وحوار آخر مع كنزة الصفريوي حول تجربة مجلة” أنفاس ”  .وإذا كان المقال تحليلا أحادي  الجانب ( من طرف صاحبه) فالحوار الذي يعتمد أسلوب : سؤال – إجابة يتم فيه التفكير من جانبين ، فحتى السائل يفكر ويساهم في تفكير وأفكار المحاور(بفتح الواو).
  1. في المضمون: موضوع السيرورات الثورية في العالم العربي.

رأى العدد الأول من مجلة التحرر النور وكلنا أمل في أن يستمر ويتطور، وكلنا أمل أيضا في أن تلقى الدعم لأنها تستحق في عالم صار فيه الإنحطاط la décadence عنوانه البارز.  لقد كان لاختيار موضوع” السيرورات الثورية في العالم العربي ” كبير التوفيق نظرا لعدة أسباب لعل من بينها :

  1. ) أولا لأنها واقع بغض عن النظر عن توصيف ما جرى وما يجري.

2)  لأنها خلقت نقاشا واسعا وسط الكل ( مفكرين-مثقفين-تنظيمات –مناضلين…) ووسط اليسار خاصة ومنه الماركسي. نقاش طبعه الاختلاف بل وصل فيه حد التناقض في التحليل والدراسة والمواقف  .

3) لأن العدد سلط الضوء على مفهوم يختزل دلالة قوية في التحليل وهو مفهوم” السيرورة الثورية”  الذي يتميز عن تعبيرات أخرى ( ثورات- انتفاضات- ربيع عربي- ربيع ديمقراطي – موجات ثورية – حالات ثورية…) . فمثلا نجد في مساهمتي: عبد الله الحريف ( السيرورات الثورية في العالم العربي والوضع في المغرب) و مساهمة عبد الطيف زروال” ( القوى  الإجتماعية الفاعلة في المسلسل الثوري) والحوار مع جلبير الاشقر التأكيد على أن ما يجري هو سيرورات ثورية طويلة ومنفتحة ولا أحد  بمكنته على حد تعبير ج. الأشقر أن يوقفها. في حين يعتبرها غازي الصوراني انتفاضات أو حالات ثورية،   والقاسم المشترك بين مختلف المساهمات هو الإتفاق على أن ما يجري لم يصل بعد إلى مستوى ثورات بالمعنى الدقيق للمفهوم كقطيعة انتهت بل سيرروة بدأت ولازالت مستمرة وهي حابلة بالدروس.

4) لأن ما يجري يتطلب – وبشكل مستمر- التحليل والدراسة واستخلاص الدروس بعيدا عن المزايدات السياسية التي قد تعصف بوحدة اليسار كضرورة تاريخية لا مفر منها تثبت السيرروة نفسها راهنيتها.

5) حاجة اليسار وخاصة الماركسي لتوحيد النظر والعمل  لمواجهة قوى الإستبداد والفساد والرجعية المدعومة صهيو-إمبرياليا. والتقدم في سيرورة الصراع الطبقي وطنيا-قوميا وأمميا.

6) مقاومة النزعات المشككة ( بوعي وبدونه) في أهمية ما يجري من أحداث تاريخية بزرع نظريات المؤامرة ضدا على كل إرادة للشعوب في التحرر، خاصة أمام ما انتهت له الموجه الأولى من السيرورات وما بدأت به الموجة الثانية المنفتحة على آفاق عدة على المدى البعيد في إطار صراع بين قوى الثورة والثورة المضادة ( النظام القديم-الجيش –التيارات الإسلامية-الإمبريالية-الصهيوينة…)

7) على الرغم من أن كل تجربة تستوجب دراسة خاصة ومستفيضة إلا أن أغلب المساهمات تقيدت بموضوع ملف العدد الأول والملاحظة الأبرز هي التقارب الحاصل بين مختلف وجهات النظر- مع الفارق طبعا- في الـتأكيد على العديد من القضايا الجوهرية من بينها ( أسباب اندلاع الحراك  من حيث هي أسباب موضوعية لا علاقة لها بالمفهوم الإستخباراتي  المتعلق بالمؤامرة – مسألة التحالفات – طبيعة الحراك من حيث هو سيرورة لايمكن أن تتوقف عند ما وصلت إليه اليوم وانفتاحه على آفاق أخرى – أهمية الحراك في سقوط حاجز الخوف وإيمان الشعوب بقدرتها في التغيير- حاجة الشعوب وطبقاتها وفئاتها المضطهدة للتأطير والتنظيم كضرورة لا مفر منها – ضعف وتشتت قوى اليسار  وخاصة الماركسي الذي لم يكن بمستوى التأثير والحضور المطلوبين لقيادة الحراك- دور الطبقة العاملة والشباب من خلال التنظيمات النقابية ووسائل الإعلام “البديل” في إشعال فتيل الحراك وخوضه – عناصر الإلتقاء وعناصر الإختلاف والتميز بين كل سيرورة على حدة( مصر-تونس-المغرب- البحرين- سوريا- اليمن- ليبيا…) على مستوى شروط وعناصر مثل ( طبيعة كل نظام – موازين القوى – مستوى وحجم التدخل الخارجي…) .

    اليوم، كل من ساهم في إخراج مجلة التحرر كسب  الرهان ، رهان ميلادها ، ولابد من كسب رهان استمرارها وتطويرها من خلال الدعم والمساندة والتشجيع ، خدمة لإعلام بديل وفكر مناضل وإرادة في التغيير من خلال تحليل ملموس لواقع معقد لا ينظر له إلا بعين مفهومية ، هي عين التحليل المادي التاريخي.

Share

اترك تعليقاً