الرئيسية / • وجهة نظر / أقلام وآراء الشبيبة / أحمد صديقي يكتب عن “الشباب و ثقافة الاحتجاج “

أحمد صديقي يكتب عن “الشباب و ثقافة الاحتجاج “

    إن التفكير في تجربة الصراع من أجل الديمقراطية في المغرب منذ الاستقلال الشكلي ينتهي إلى استخلاص العديد من الدروس لعل من بينها:

  • يمثل النظام المخزني – و"الملكية " جوهره- العائق الأكبر أمام تحقيق الديمقراطية، فكل السلط التشريعية والتنفيذية والقضائية في يده. ولذلك فهو نظام استبدادي وأصل الفساد الإداري والسياسي والاقتصادي والأخلاقي …
  • فشل تجربة الرهان على الانتخابات و المؤسسات الصورية التي تؤثث لديمقراطية الواجهة، وأول وآخر تجربة "حكومة وطنية " مع عبد الله إبراهيم تم وأدها من طرف الملك فلم تعمر إلا أقل من سنتين ( 1958 – 1960). وترأس الحسن الثاني عددا من الحكومات اللاحقة وأحكمت الملكية قبضتها على الحقل السياسي وأدخلت جزءا كبيرا من المعارضة الاتحادية في سيرورة التناوب المخزني.
  • كل مكسب شعبي أو تقدم ديمقراطي جاء نتيجة نضال ميداني وضغط جماهيري فرض على النظام المخزني تقديم التنازلات ، وهو مستعد في كل لحظة  للتراجع عنها في مراحل الجزر النضالي، ولنا في تجربة حركة 20 فبراير مثال حي ومعيش.

    تنبع أهمية الملاحظة الأخيرة في كونها تؤسس لسبيل النضال الحقيقي ضد المخزن من أجل الديمقراطية وهو سبيل الاحتجاج الواعي والمنظم. خصوصا مع الأشكال والمبادرات الاحتجاجية التي ينظمها الشباب المغربي والتي شهدت أوجها مع حركة 20 فبراير وما أعقبها.فماهي مقوماته ومبادئه؟ و ما هي أهدافه و وسائله وأشكاله التنظيمية؟ وكيف يتحدد دور الشباب في تنظيم الأشكال الاحتجاجية ؟

أولا :  في مقومات ومبادئ ثقافة الاحتجاج

     يمكن تعريف الاحتجاج بأنه إعلان عن رفض لقرار أو سلوك أو واقع ما بغرض تغييره، إلا أن نجاح أية خطوة احتجاجية لا يمكن أن يتم خارج موازين القوى بين الطرف المُحتج والطرف المُحتج عليه، مما يفرض التحلي بثقافة "الوحدة"  وتقبل الأخر الخصم / الحليف  لعزل العدو الأكثر شراسة  وتغليب "المشترك" على "نقط الخلاف "على "أرضية" موضوع الاحتجاج.

    إن ثقافة الاحتجاج تعبير عن الجرأة والشجاعة في عدم قبول وضع ما غير مرضي، لذلك في موقف إيجابي وفاعل وتحرر من سيطرة هاجس الخوف والإيديولوجيا. إلا أن مشروعية الدعوة له وتنظيمه تنبع من عدة أسس، ومن بينها أن تكون مرتبطة بحق تم انتهاكه أو شرعنة تبرير الانتهاك. لذلك فهي حق مشروع نضاليا.

    كما أنها ترتبط كذلك بضرورة الإيمان بالأحقية في اللجوء له و الوعي التام بذلك، وكذلك باختيار الطرق والسبل الناجعة لإنجاح الشكل الاحتجاجي بما يضمن عدم إلحاق الأذى بالمرافق والمنشآت وتخريبها، واحترام قواعد الثقافة الديمقراطية في الفكر واتخاذ القرار والتنفيذ والنقد المحاسبة والتقييم،  بعيدا عن الأنانية والنجومية والانتهازية والزعاماتية وداء العفوية والتلقائية.

    لذلك تقدم ثقافة الاحتجاج نفسها بديلة عن مفهوم " الديمقراطية التمثيلية" وإعلان عن إفلاسها وعجزها عن فرض المطالب وتحقيق التغيير. فهي تجعل كل من له مصلحة في التغيير يقول كلمته.

ثانيا : في أهداف و وسائل وأشكال الاحتجاج

     تختلف أهداف الأشكال الاحتجاجية باختلاف القضايا التي تنظم من أجلها، لذلك لا ينتهي الشكل الاحتجاجي بتحقيق التغيير دائما،  لأن موضوع الشكل الاحتجاجي قد يتطلب أشكال نضالية وموازين قوى و شروط ذاتية وموضوعية أخرى، وهكذا فهدف ثقافة الاحتجاج هو أولا الحفاظ على "ثقافة الاحتجاج" نفسها واستمرارها وتسليح الجماهير بها حتى يحرروا أنفسهم بأنفسهم ويحققوا مطالبهم بأيديهم.

    وفي ظل اختلال موازين القوى وطبيعة القوى المُحتجة يصبح التعبير عن موقف ما ( الرفض – الإدانة – الشجب …) هدفا للشكل الاحتجاجي، وقد يمتد إلى مستوى المطالبة بالتغيير والعمل على تحقيقه، كأن يهُم قرارا ما أو قانونا أو أجراء مرتبطا بالسياسات الإقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية … ما يستدعي أشكالا احتجاجية تصعيدية : وقفات ومسيرات واعتصامات و إضرابات عامة وعصيان مدني …

    والمثير للانتباه أن الأشكال الاحتجاجية اليوم بالمغرب عرفت تطورا ملحوظا من الناحية التقنية، فإضافة للملصقات ورفع الشعارات والمنشورات وإشعال الشموع بالليل وحمل اللافتات والصور المعبرة … أبدع الشباب أنماطا وأساليب جديدة، كالتجسيد المسرحي و الأداء الفني والغنائي داخل الشكل النضالي واعتماد ما أصبح يعرف بأسلوب ال"فريز – Freeze » كتجسيد / تجميد لمشهد معبر مدة من الزمن وكأنه لوحة.

     كما أنه ارتبط كذلك بتطور وسائل الإتصال والإعلام خصوصا مع تزايد استعمال المدونات ومنتديات ومواقع التواصل الإجتماعي، كوسائل للتحريض وكذا النشر والتعريف، في ظل التعتيم الإعلامي الذي يفرضه المخزن والمنابر المرتبطة به، إلا أن الملاحظ أيضا هو أن هناك من أحل تلك الوسائل الإعلامية محل الواقع الميداني فأصبح الاحتجاج عنده يبدأ وينتهي بكتابة "استاتو" أو "تغريدية" أو تعليق أو مشاركة ما يُنشر أو الإعجاب به. وهو ما يزكي نوع من المزايدات المجانية و والذاتية المفرطة.

     غير أن ما يلاحظ أيضا هو أن ثقافة الاحتجاج تحولت عند البعض إلى احتفالات كرنفالية تافهةكتلك التي نجدها عند الجمعيات النسوانية أو الجمعيات التي ترتبط بالمخزن أو الأحزاب الإدارية، بغرض توظيفها ضد الأشكال الاحتجاجية النضالية الحقيقية أو البهرجة والدعاية للمواقف المخزنية، و أخر وقفة / مهزلة قام به مسخرون من طرف السلطة – باعترافهم- أمام مقر سفارة السويد بالرباط يوم 04 أكتوبر 2015 والتي تداولتها العديد من الجرائد والمواقع الإلكترونية مثال على ذلك.

ثالثا :دور الشباب في الأشكال الاحتجاجية

     لقد شكل الشباب مُفجر و رأس الرمح في الحركات الاحتجاجية بالمغرب، نظرا لوضعهم كفئة عمرية مثال للحماس والقوة والاندفاع وكذلك لوعيهم بالاستهداف الذي يطال وضعهم ضمن الهجوم العام على حقوق ومكتسبات الشعب المغربي، إلا أن ذلك لا يجب أن يخفي تسجيل بعض الملاحظات ومن بينها: سيادة الاعتقاد أحيانا بإمكانية تحقيق أهداف الأشكال الاحتجاجية دون ربط ذلك بالنضال العام بأفق سياسي للتغيير، ورفض الانخراط الفعلي في شكل التنظيم السياسي بفعل سيطرة وهم من" تحزب خان" والبحث عن طهرانية "الاستقلالية" في الوقت الذي يحتاج فيه نضال الشعب المغربي لمعبر سياسي حقيقي لقيادة النضال ضد المخزن وبناء نظام ديمقراطي. وكذا غياب بعض أعراف الثقافة الديمقراطية في حل التناقضات وتدبير الاختلاف وما تتطلبه قيم التضحية والكفاحية من نكران للذات وقبول الاختلاف وتغليب المشترك على نقط الاختلاف و التحلي بطول النفس.

     لذلك تظل حركة الاحتجاج الشبابي مطالبة بتقوية ذاتها وتنظيماتها الشبيبية والجمعوية والنقابية …مع ضرورة انخراط الشبيبة التعليمية ( التكوين المدرسي – الجامعي- والمهني )والشبيبة العاملة … وتوحيد نضالات الشبيبة المغربية، وتطوير تجربة "إتحاد الشباب الديمقراطي بالمغرب" والعمل على أن تصبح له امتدادات جهوية ووطنية وفق أرضية و برامج نضالية واضحة وملموسة وتعبئة أكبر الأصوات لذلك و ربط نضاله بالنضال الشعبي العام ، وكذاك إبداع تجارب احتجاجية أخرى باستلهام روح حركة 20 فبراير المجيدة.

على سبيل الختم:

     إن الرهان على الاحتجاج السلمي الواعي والمنظم تعبير عن فشل الرهان على صناديق الاقتراع، لأنها ليست حلا ولا طريقا للتغيير أو لاختلال موازين القوى التي هي اليوم في صالح الكتلة الطبقية السائدة ، والتجربة المغربية أثبتت أن كل محاولة لإصلاح المخزن أو التوافق معه انتهت إلى الاندماج فيه، لذلكلا مستقبل لليسار المغربي دون شباب واعي بأهمية التنظيم والتكوين وبضرورة بناء حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين المعبر الطبقي والسياسي عن طموحات فئات وطبقات الشعب المغربي التي لها المصلحة في التغيير.

تاوريرت في 12/10/2015

 

اترك تعليقاً